الرجولة مفهوم إنساني راقِ

 تُعتبر الرجولة في مجتمعاتنا الشرقية من السمات الهامة والأساسية، لأنها مقياس الفحولة من جهة، والأمن والأمان والحماية من جهة أخرى. مثلما هي عنوان السيادة والقوامة والسلطة المُطلقة في مختلف الاتجاهات، وهذا ما جعل المجتمع برمّته يُقدّس الرجولة بمفهومها السائد والتقليدي، وينقاد طائعاً لما يُمليه كبار الرجال والسادة، دون أيّ نقاش أو أدنى محاولة اعتراض، ابتداءً بالأسرة، وليس انتهاءً بالحي أو مكان العمل والعبادة، أو في مواقع وظيفية عُليا.

ولا يفوتنا أن التربية الأُسرية حتى اليوم، تعمل على تعزيز هذا المفهوم لدى تربيتها لأبنائها الذكور، في تمييز واضح وفاضح ضدّ الإناث اللواتي بقين رغم وصول بعضهنّ إلى أعلى المراتب العلمية، رهن تبعيتهن المُطلقة لذكور القبائل مهما تدنّى وضعهم العلمي والمعرفي وحتى الإنساني، حتى باتت المرأة المتفوّقة والمتميّزة والقوية توصف بأنّها(أختُ الرجال) في تعزيز واضح وصريح إلى أن هذه الصفات لا يمتلكها إلاّ الرجال، بينما هناك ذكور في المجتمع لا يعرفون من معاني هذي الرجولة سوى مظهرها الخارجي والبيولوجي، ويتجلّى ذلك من خلال تصرفاتهم ومواقفهم مع محيطهم الأسري والاجتماعي، لاسيما في علاقتهم بالمرأة، المُستندة إلى قوامة مُطلقة منحتهم إياها تفسيرات الشريعة الدينية والقانونية والاجتماعية، مما جعلها حتى في بعض المجتمعات المتحضّرة بعيدة عن تقلّد المناصب الهامة، لاسيما تلك التي لها صفة قيادة المجتمع.

لكن، مع مرور الزمن، تغيّر مدلول هذا المفهوم، تبعاً لتغيّر الأدوار وتبدّلها ما بين الجنسين من جهة، وكذلك الانفتاح على حياة الأمم الأخرى التي لم تعد تولي هذا المفهوم المكانة الأبرز في حياتها العملية والاجتماعية، بحكم نمط الحياة واحتياجاتها المتعددة من جهة أخرى. لذا، لم تبقَ الرجولة مرتبطة بالذكورة مفتولة العضلات، شديدة الفحولة وحسب، وإنما بالمواقف الإنسانية الحسّاسة الهامّة والمصيرية، التي يمكن أن يمتلكها الجنسان معاً( الذكر والأنثى) باعتبارهما شريكين أساسيين في صياغة الحياة وتطورها.

العدد 1140 - 22/01/2025