أوراق من مفكرة نازح سوري (2)
ولأن مصطلح (نازح) أو (نازحون) ليس جديداً على الحياة السورية، إذ أطلق هذا الاسم على السوريين الذين أخرجهم العدو الصهيوني من الجولان في هزيمة عام ،1967 ولتمييز النازحين السوريين داخلاً وخارجاً الذين أخرجهم أخوهم السوري في هذه الحرب المجنونة، وعلى نمط مصطلحات درجت مثل (المحافظون الجدد) أو (الليبراليون الجدد) وغيرها سنسميهم: النازحون الجدد.
***
يروي عبد الله السوري، وهو من العريقين في النزوح المتكرر حكاياته:
صديقي وجاري في الحي نزح أيضاً، وأصبحنا نتواصل عبر الموبايل، وعلى ذكر السيد موبايل، فهو أكثر الرابحين من حالات النزوح، إذ يصبح الوسيلة الوحيدة للنازحين الجدد للاتصال بمن بقي من الأهل أو من أضاعهم في رحلة نزوحه، بعد أن راحت الهواتف الأرضية مع المنازل، وهكذا يؤمن صاحبنا مصاريف إضافية لتوسيع أعماله الخيرية.
عودة إلى صديقي الذي نتبادل الاطمئنان كل فترة على أحوال بعضنا يتابع عبدالله توفي والده، ولم يكن أمامي سوى الموبايل لأعرف أين حط رحاله أخيراً، وأستطيع القيام بواجب التعزية، إذ إن التعزية عبر الهاتف من المكروهات التي لم نتعود عليها.
وعرفت أنه ما زال ينام في مكان عمله، وهكذا ما إن يعود من قريته بعد إتمام فترة العزاء هناك سنضطر نحن أصدقاءه أن نعزيه في مكان العمل، فالسفر صار من المحظورات خاصة أننا من كل طوائف البلاد ومللها ونحلها، ولكل نوع من الحواجز فلاتره الخاصة به، فلن يصل منا إلى تعزية صديقنا إلا كل ذي عمر طويل.
لن نحرجه بالقهوة المرة إلا إذا توفر الغاز في (بابور) الغاز الصغير المخصص ل (سيران) أيام زمان، والذي صار يتأبطه النازح في تنقله داخل أراضي البلاد من ضمن عفشه القليل الذي لملمه من أسواق المستعمل أو من الأصدقاء والأقارب. طبعاً هذا الغاز لا يستعمله السوري إلا في فترات انقطاع الكهرباء لأنه إذا فرغ فسيمضي أياماً وهو يسعى لتعبئته بأكثر من سعر أسطوانة غاز .
***
كان الأولاد ما إن تنتهي امتحاناتهم المدرسية حتى يلحوا علينا بالإسراع في السفر إلى القرية حيث الجد والجدة والخالات والعمات وأولادهن، وحيث فسحة اللعب وتمضية الوقت أجمل وأكبر.
ما حصل مؤخراً أننا اضطررنا إلى إسكانهم في القرية حيث يحبون، وبقينا (ندبر راسنا) هنا في دمشق حتى لا نغيب عن أعمالنا. لكن ما إن انتهت امتحانات الفصل الأول حتى بدأ الأولاد بالنق، يريدون أن يعودوا إلى دمشق ولو في زيارة، يريدون رؤية الحي الذي كانوا يشكون من زحامه وغباره وطينه، لكن هيهات.
وعدتهم أن يأتوا إلى دمشق مع أمهم، ويروا كيف يعيش أبوهم ليستمر في عمله ويسعفهم براتبه الذي يزداد هزالاً كل يوم كبقرة (حاحا) النطاحة التي خلدها الثنائي المصري الرائع نجم إمام.
***
خرجنا مع بزوغ أول ضوء الصباح بما استطعنا حمله بأيدينا من حقائب وأكياس نايلون تحوي حاجاتنا الأساسية، بعد أن عشنا ليلة ليلاء من المعارك الضارية، تحول الحي إلى ساحة حرب، وما إن هدأ المقاتلون من الجانبين حتى بدأ آلاف الناس بالخروج من الحي باتجاه الأحياء المجاورة التي لم تصلها المعارك بعد، وإلى مراكز الإيواء المعدة لاستقبال الهاربين من الجحيم من مساجد ومدارس.
يروي عبدالله حكاية خروجه الأخير مع سكان الحي.
وكعادة الهاربين من الموت كنا نأمل أن نعود في أيام لنتفقد منازلنا ونخرج أثاثنا إلى بيوت بعيدة عن الحرب بأسوأ الأحوال. لم نكن نعلم أن نظرتي الأخيرة إلى المنزل ستكون تلك التي كانت حين التفاتة لي إليه وأنا أدخل في أفواج الناس الراحلين.
بعد ذلك حاولنا مراراً الوصول إلى الحي بعد أن كنا نجتمع خارجه عدة رجال من الجيران، لكن عبثاً، إذ يصر المسلحون على منعنا بدعوى الحرص على سلامتنا. وفيما كنا مرة نحاول إقناع أحدهم بالسماح لنا بالوصول إلى البناء وقد صرنا على مقربة منه، بدأ يسرد لنا كيف أن المسلحين (من الطرف الآخر طبعاً) قد زرعوا عبوات ناسفة ولغموا المداخل.. إلخ.
وفيما هو يشرح لنا أهوال الدخول إلى حينا البائس شاهدنا ثلاثة من رفاقه يتعاونون على حمل براد كبير وهم يخرجونه من الحي المليء بالألغام والمتفجرات! نظر إلينا وابتسم ابتسامة صفراء، ثم أكمل فيلم الرعب الذي أراد إقناعنا به. وعدنا إلى نزوحنا الطويل.