ثمة سوء تفاهم بين ذكورتهم والرجولة!
خُلقت الأنثى من كنف الرجل، على أنها الضلع القاصر، وأنه القوّة التي ستحميها من كلّ أذىً، لأنه المخلوق الذي أنصفه الله بالقوّة البدنية، وهي الكائن الرقيق الذي يحتاج إلى هذه الحماية، فقد تكوّن جنس الإنسانية من عنصرين ماديين هما: الذكورة والأنوثة. والذكورة لها جينات وراثية مادية تُميّزها عن الأنوثة، وهذا التميّز نلمسه حتى في التركيب العضوي الفيسيولوجي الجسدي، إذ تميل الذكورة إلى الخشونة الجسدية في مقابل نعومة جسد الأنثى.
من الواضح جليّاً أن الفوارق بين الذكورة والأنوثة في الجنس الإنساني، تبرز في جوانبها المادية فقط، التي تخصُّ الحياة الإنسانية، لكن فيما يخصُّ حياة القيم، فلا يوجد ثمّة تميّز يفضل الذكورة عن الأنوثة، أي لا يوجد سمات معيارية فطرية، في جانب القيم تبين الخلّاقين من الحثالة!
فالرجولة التي هي إحدى القيم التي يمتلكها الإنسان، تقرؤها الأغلبية الإنسانية قراءة مغلوطة، إذ تختزلها في (الذكورة) لتصبح لهذه الممارسة الخاطئة في ميدان الحياة الإنسانية القيمية أشبه بالخطأ الشائع في ميدان اللغة.
فقد أُلحِقَتْ قيمة الرجولة بالذكورة، وفُصلت عن الأنوثة، مع أنها قيمة تُطلق على الجنسيين معاً في حالة التغيّر والتطور الإيجابي في كلّ من الذكورة والأنوثة، ومن هنا يتبيّن فداحة الخطأ الشائع الذي اختصر الرجولة في الذكورة، فهذا الخطأ يترتّب عليه خطأ آخر، وهو التقليل من شأن المرأة التي نختزلها في الأنوثة دون الرجولة، فالمرأة قد تعلو قيمةً على جميع ذكور العالم الذين ظلوا ذكوراً ولم يصيروا رجالاً بعد، بل منهم من كان أقرب إلى النساء في رقّته وطراوته، وتخجل النساء أن تكون مثله!
ويُعتبر مجتمعنا الشرقي مجتمعاً ذكورياً بالدرجة الأولى، لأنه يعتمد على مكانة الرجل ووجوده اعتماداً كبيراً، وحتى هذه اللحظة يُعتبر الرجل مصدر الأمان والاستقرار والحامي الأفضل للكائن الضعيف(الأنثى) على اعتباره الأقوى بنيوياً، وسادت الأعراف على عدّه السلطة الأقوى السيّدة على باقي الكائنات!.
وعليه نشأ الرجل في مجتمعنا فارداً ريشه ورافعاً أنفه نافخاً صدره، مُعتبراً نفسه المخلوق المتميّز عن أقرانه في الأرض لأنه الذكر!..وهنا تكمن المصيبة في تربية الأجيال للصبيان على الافتخار بأعضائهم الذكرية، لاعتبارها رمز الفحولة بنظرهم، دون اكتشاف الفروق الكبيرة بين الرجولة والذكورة.
ولقد اختلفت الثقافات عبر الزمن، وأصبحت الرجولة تُفتعل بدخول أحد أولئك الشبان لاكتسابها عبر انضمامه لنادٍ رياضي ينفخ العضلات!…أو في ليلة ساخنة يُخرج فيها فحولته مع أنثى ربما يكون قد وعدها بالزواج!…وإما ليُثبت لأهل بيته أنه الرجل المغوار الذي يقوى على ضربهم وتخويفهم منه بالتعنيف والصراخ الذي يعتبره(رجولة)!
فما علاقة تلك الذكورة بالرجولة؟
من المؤسف أنه إلى اليوم لم يُعرّف معنى الرجولة على شكل أفعال، بل اكتفى التعريف بالأقوال الكثيرة التي يتحنّك بها المسترجلون! وفي التغلغل بأزمتنا العزيزة، فقد استفحل الرجال في كلّ مكان وجاء أولئك الأوباش مكشّرين عن سيقانهم مهرولين لاهثين ليهتكوا أعراضنا!
منذ متى يُعتبر الاغتصاب رجولة؟
ها نحن عدنا إلى الدوامة نفسها التي لا تستطيع إلاّ أن تربط الرجولة بالفحولة الجنسية!
هكذا هومفهوم الرجولة الذي تناولته الأجيال، ومنه المَثَل القائل (اقطع رأس القط من أول ليلة) فما هو إلاّ برهان على صحة الكلام، عند التمحيص في معناه السليط والمحقّر للمرأة، ومكانتها كإنسان رقيق يحتاج إلى الحنان والحب واللطف والأسلوب الراقي بالتعامل، تنبع أقوال كهذه لتدلّ على قذارة المستنقع الفكري الذي صدرت منه!
فقد يحشو الآباء والأجداد الذين يعتبرون أنفسهم(رجال) في رأس ابنهم العريس ضرورة أن يعبّر عن فحولته في السرير بأن يلطّخه بالدم، وعلى جسد سيدميه ذعراً وخوفاً وربما ضرباً.. ! أين الرجولة إذن؟!
أين اختبأت عند وعود ذاك الشاب لفتاة تحبه مقنعاً إياها بأن تخسر أغلى ماتملك(كونها شرقية) ومن ثم يهرب!؟
أين الرجولة عند حدوث تحرّش بفتاة، ويلتزم مكانه ويسمع ويرى ذلك كلّ ذكر باعتبار أن لا علاقة له بالموضوع؟!
فإذا أردنا أن نتأمل قليلاً في الفرق بين الرجولة والذكورة، لوجدنا الفرق واضحاً وخصوصاً أن ميّزات الرجولة هي التي تضيف إلى الرجل قيمة ومعنى واحتراماً، فبالتأكيد ثمّة سوء تفاهم بين ذكورتهم والرجولة!