شوارع القدس الحزينة
عندما لا تبزغ شمس القدس على الوجود، ولا يتنفس ترابها روح الحياة من هديل الحمام على قبابها، ومن فنحات الله أكبر الهادرة فوق مآذنها صعوداً إلى حدائق الله الشاسعة على امتداد البحر السماوي الأزرق، ولا يترنم الكون بتسابيح أجراس كنائسها المهاجرة إلى بعيدها الأبدي، فمعنى هذا أن قدس الله غارقة بوحشة كآبتها، وعتمة أحزانها، ومرير سؤالها الموجّه مباشرة كمكة والكعبة: لو استلبت مكة والكعبة: لو استلبت مكة والكعبة، وأنّ الترابُ هناك تحت وطأة أقدام الغزاة، وحوافر الخيل المعربدة على قداسة وطهارة المكان، هل يمكن للنخوة عندئذ أن تصحو في ضمائر الرجال، وأن تستفيق الجباه المهانة على وقع جمرها المتأجج في رمادها، وتنهض للثأر لكرامتها وقدسية ترابها الذي يسحب يومياً أنينه المدوي إلى الأقصى وبيت المقدس، عتاباً على الأمة، واعتذاراً للقدس والأقصى، وتراب فلسطين الجريح السليب، يشد أزرها، وينتخي عصافير الوطن الشهيد كي تظل في حومة الوغى تقاوم ببسالة وكبرياء وشرف عن أمة كاملة تمد بساط وجودها الرحيب من أطلسي المغرب العربي، باتجاه مشرقنا الأعمق رحابة بامتداده المتوسطي والخليجي، نملك نصف العالم مساحة، وبشراً، واقتصاداً، وقدرات هائلة تتعاقب الأصفار فيها يميناً باتجاه الخيال، واللامعقول، ومع هذا، ففي لحظة عابرة، نجد أنفسنا خارج ما نملك، وخارج ما نحلم، وخارج كينونة الحياة ذاتها، ويظل السؤال المرير القاتل يذبحنا فوق وسائد أسرّتنا الخاوية من كل شيء إلا أرق الخير والأسى: من نحن فوق رقعة الكون؟! لماذا كل شيء فينا مستباح؟!
كل شيء في القدس يحاط بالتعتيم والتعمية، وكل شيء يمكن أن يؤول إلى التدمير والخراب، وتصفية معالم القدس وتدمير الأقصى أصبح الهم التاريخي للشتات الصهيوني الآثم، إنهم يزوّرون التاريخ والجغرافية، والتراث الفلسطيني، والتراب والجذور بحجة أن تحت تلك المسميات العربية/ الكنعانية بجذورها السلنية الفلسطينية ركاماً من أوهام لإسرائيليات محتملة، والحقيقة أن ركام الأوهام هذا يعيه تماماً أبناء الشيطان قبل غيرهم، وأن ما يدّعونه تراثاً صهيونياً إنما هو تلك الكذبة الكبرى التي يريدون من ورائها خداع العالم أن لهم تراثاً وتاريخاً وإرثاً قائماً فوق أرض فلسطين ويقيناً ثابتاً للأبد أن غربان الشتات، هم مجموعة من (اللمم) لا تربط بينهم رابطة ولا تاريخ مشترك، ولا جذور ولا أصول، ولا فروع، ولا تسمية في التاريخ القديم والحديث (تسمية ما) تجمعهم تحت مظلتها، أو عبر سقف من نسيج عنكبوتي يوضح أن هؤلاء ينتسبون إلى أمة، أو قيمة، أو نسيج مترابط الجنس والصيغة! هم مجرد شتات قادم من كهوف الليل والعتمة.. يمر عابراً وينتهي عابراً وبين مرور العبور، وعبور الانتهاء، فإنهم ذيول الخراب الجهنمية التي ستأتي على كل شيء جميل فوق الثرى الفلسطيني، فتحيله بحقدها البربري المريع إلى ركامات من دماء وأنقاض غاصّة بقتلاهاوجراحاتها، وذكريات مريرة عن وحوش مروا بآثامهم على ديارنا، فعاثوا فيها شراً وحقداً وفساداً، ثم استكملت ريحهم هجومها الحاقد على امتداد العالم الأوسع، العالم الذي تخلص منهم ليقذفهم إلينا تائهين غاصبين، ويناصرهم ضد كل ما هو إنساني وبهي عبر خريطة الكون الشاسعة! وإذا رأينا أبناء يهوه يقودون العالم إلى ذاك الحضيض السفلي من قاع الكون، فإنهم وحدهم من سيقبع في الحضيض السفلي في نهاية المطاف، ولا يتجه العتب عليهم وحوشاً شرسة عابرة، ولكن العتب الذابح يتجه للغارقين بوهم الخرائط واللقاءات المشبوهة، وللذين يحتفلون على جثة القدس والأقصى والشهداء وفلسطين والطفولة التي تحتفل بطرقها المقدسة وهي ماضية للفرح والشهادة، وبطرقها الخاصة والخاصة جداً، وعلى الجدران وفي القلوب صور العصافير الذين استشهدوا، وهم يبتسمون، احتفالاً بانتمائهم الأبدي لفلسطين، وتقدمهم آلاف الخطا باتجاهها.
يحتفلون بالقدس، والقدس عاتبة، وغائبة، وبعيدة بعد السماوات السبع عن الأرضين السبع! يحتفلون بها دماً عابراً يشكل ألوان كوفياتهم، وأعلامهم، ونسيماً عابراً ينسج عبق قصائدهم وأشعارهم، وتاريخاً عابراً يمر على مواقد الشتاء، والخيام حولها ذليلة، كليلة، لاستنهاض مواجع الذكريات أيام المناسبات والطقوس العابرة. نثرثر كثيراً ثم نمضي إلى شؤوننا وشجوننا يومية، نغرق في يوميات الفواجع الكثيرة والمثيرة، والقدس قريبة منا قرب نبضنا الذي يهدر في شراييننا استكمالاً لدورة الحياة واللامبالاة التي اعتدنا عليها، ونعيشها ضمن منطق الحتمي والمقدر:
مشيناها خطاً كتبت علينا
ومن كتبت عليه خطاً مشاها
والقدس، بالمقابل، بعيدة جداً عن متناول العين والقلب، لأنها قدس مهانة، مستلبة، مذبوحة من وريد المئذنة، إلى وريد الكنيسة، ومن انحناء قبابها خجلاً لما يجري، لانحناء أعمدة أجراسها التي تتساءل بانكسارها الموجع الحزين: أحقاً هذه أرض الرسالات والأنبياء من الجلجلة حتى الإسراء؟!
أهذه قدس ابن الخطاب، والأوائل من عشاق الفتح والآباء؟
ربما هي مشيئة القدر أن نصل إلى هذا الحد من الغياب والحزن، والقهر، ثم نركن، بعد ذلك، لموجات تفاؤلنا القادمة من المستقبل، حيث الحجر والشجر والبشر يومذاك يتحول لصالحنا، ويقف معنا في مواجهة زبانية الحقد والشر القادمين من خرائب بابل، والمدفوعين قسراً إلينا من شعوب الدنيا وأممها وحكوماتها، لأنهم العبء والهم الأكبر على إنسانية الوجود والحياة، وحتى نصل إلى لحظة النصر والحسم والخلاص سنظل نحتفل باسمك المجيد يا قدس الأقداس، وسنظل نقاوم حتى تحين اللحظة التي ننتظرها جميعاً، لحظة الخروج من الموت للحياة، إلى الحياة، إلى انبعاثها الحيّ القادم.