لنعد إلى فطرتنا…. فمشاعرنا ليست عاراً
تنعكس الطبيعة المكانية والبيئية على الإنسان وغرائزه ومشاعره وميوله واهتماماته، فالبيئة الصحراوية تترك في الروح وفي الشخصية تأثيراتٍ تختلف كلياً عمّا تخلّفه بيئات أخرى كالمدينة أو الريف أو الجبل أو الساحل، وهذا أحد أسباب اختلاف البشر في تعاطيهم مع كثير من الأمور الحياتية سواء على الصعيد الشخصي أو على الصعيد العام.
فقسوة المناخ الذي يعيشه إنسان الصحراء، رجلاً كان أم امرأة، تؤثّر بشكلٍ كبير على مشاعره ونمطية حياته التي تعتمد بالتالي وبشكلٍ فطري على القسوة انطلاقاً من مبدأ الحفاظ على الذات وحمايتها والدفاع مسبقاً عنها، بينما ينعكس المناخ اللطيف والمتنوع على ابن المدينة الذي يظهر أقل قسوةً وأكثر دماثةً مع الحياة، ويمتلك قدرةً أكبر على التعامل مع مشاعره وإظهارها، ولهذا نجد إنسان المناطق الجبلية غير ما هو عليه إنسان المناطق الساحلية.
أضف إلى ذلك أن الشخص الذي يعيش في مناطق حروبها متواصلة ومستمرة يختلف اختلافاً جذرياً عن الإنسان الذي يحيا حياةً مستقرةً ينعم فيها بكينونته وبالهدوء والسلام والأمان، هذه المفاهيم تنعكس حتماً على سلوكه وتصرفاته، وهذا الأمر لا يتوقف عند طريقة تعامل الشخص مع الحياة بمختلف مناحيها، بل ينعكس بالضرورة على تعامله مع ذاته أولاً ومع المحيط ثانياً…
ولأن الإنسان العربي ترعرع في بيئاتٍ اعتادت منذ القديم على شظف العيش في أغلبها، إضافة إلى الحروب المتواصلة التي لم تهدأ منذ عصورٍ سحيقة، نرى أنه قد ترسّخ في لا وعيه جملة من المعتقدات التي اعتمدها أسلوباً لتحميه وتحافظ على وجوده، وربطها بمفاهيم أخرى مثل الكرامة وعزة النفس والأدب والأخلاق، ومن ضمن هذه المعتقدات السائدة أنه من العار على الرجل أن يُعبّر عن مشاعره الضمنية كالحزن والفرح والحب، ومن المعيب بل والمخزي بحق المرأة أن تبوح بما يعتمل في داخلها من مشاعر مرهفة كالحب والحنان، وما عليها إلاّ إظهار مشاعر الحزن الدائم والقسوة حتى لو كانت ظاهرية فقط…
فطريقة تربية الكثير من الأهل تعتمد أسلوب القسوة الظاهرية وإخفاء أي نوع من أنواع المشاعر الأخرى التي يشعرون بها تجاه أبنائهم كالحب والاهتمام الذي يلخصونه فقط في تأمين متطلبات العيش الضرورية، وكأن الأم التي تظهر مشاعر أمومتها وحبها لأبنائها ليست جديرةً بأن تُلقب بالأم الصالحة، فهي تجعل أطفالها يسلكون سلوك الميوعة والدلال، وكذلك الأب الذي يتفوه ببعض الكلمات الحنونة لأبنائه أو يعاملهم ببعض اللطف لا يحق له أن يصنف على أنه أب حاسم وصارم… فمن قال أن إظهار مشاعر الأبوة والأمومة تؤدي بالضرورة إلى تربية فاشلة؟؟؟
المعايير ذاتها تنطبق على تعامل الرجل مع المرأة أماً أو زوجةً أو أختاً أو ابنةً، فالرجل لا بدّ أن يتسم دائماً بالعبوس والقسوة والكلمة الصارمة التي لا تكرر، ومهما تعرض لمواقف حزينة أو مؤلمة في حياته عليه أن يبقى جبّاراً لا يمسه شيء منها، فمن المخجل بحقه أن يُعبّر عن ألمه بالبكاء أو الصراخ منذ نعومة أظفاره وطفولته الأولى، وكذلك المرأة عار عليها أن تبوح بما يعتمل في داخلها من عواطف نحو الرجل أيّاً كانت صفته بالنسبة لها، بل من المفروض عليها اعتماد أساليب قد تكون مخالفة تماماً لشخصيتها لتبقى محافظةً على كينونتها واحترام المجتمع لها…
فإن كانت المشاعر بتناقضاتها وتنوعها واختلافها طبيعة فطرية في الإنسان، فلماذا نحارب تلك الطبيعة ونقسو على أنفسنا ونقسرها على تغيير طبيعتها؟؟؟ لمَ يُفرض علينا إخفاء مشاعر الفرح؟ ومن حدد أن إبداء مشاعر الإعجاب أو الحب عارٌ علينا؟ حتى الحزن مقيد ومكبل!!!!
أما آن لنا أن نترك طبيعتنا البشرية تعود لما هي عليه وأن نتركها تتجلى واضحةً كما هي وكما هو الظرف المعاش…فنرقص ساعة الفرح، ونبكي ساعة الحزن، ونعبر عن مشاعرنا تجاه بعضنا، فمن شأن كل هذا أن يخفف من وطأة ما نعيشه لاسيما في سنواتنا الأخيرة التي اشتعلت فيها نيران الحروب الكاوية هنا وهناك؟؟؟ فيجعلنا أكثر قدرة على التماسك الداخلي والجماعي حتى نتمكّن من اجتياز هذه المرحلة الصعبة بأقل الخسائر الممكنة؟