الحرب كشفت المستور
بعيداً عن المقولات الإيديولوجية الجاهزة التي تلقفناها مراراً كمسلمات دينية، وحفظناها كما لو أنها آيات بيّنات، فإن المقولة الماركسية التي تذهب إلى أن البنية الفوقية هي انعكاس للبنية التحتية تبقى صحيحة، بل (كلّية القدرة) أيضاً من جهة شمولها طيفاً واسعاً من الظواهر المجتمعية التي تُشكّل (رزمة) البنية الفوقية (سلطات، أخلاق، ثقافة…)، طبعاً الانعكاس هنا ليس ميكانيكياً وباتجاه واحد، كما ردّدت الماركسية التبسيطية الجامدة التي تُبشّر بجنة الكادحين القادمة قاب عقدين أو أدنى…..
من هذه الزاوية يمكن قراءة ما انكشف من تدهور مريع في المستوى الإنساني لدى قطاعات واسعة من السوريين، خصوصاً حملة السلاح الذين لا يستغرب المرء ما يبدر منهم من تصرفات همجية هي من طبيعة الحروب والمحاربين، لكن الأكثر مدعاة للتساؤل والتوقف عنده، هو ما بدر من سوريين مدنيين تجاه جيرانهم أو أبناء حيّهم أو مدينتهم من تصرفات عدوانية يندى لها الجبين، وتصرفات تتنافى مع أيّ معيار قيمي أو أخلاقي، فمقابل قيام حملة السلاح بنهب البيوت و(تعفيش) ما فيها وبيعه في الأسواق علناً أو مواربة، والاعتداء على حرمات الناس أحياناً، عدا التنكيل والقتل ما بدا أنه من طبيعة الحروب والمتحاربين، ظهر نزوع مماثل لدى قطاعات من المدنيين باستغلال غياب الآخرين لسرقة أثاث منازلهم والتصرف به بحجج واهية، منها أن منازلهم سُرقت وهم بحاجة لهذا العفش.. وقد كنت شاهد عيان على حوادث كثيرة في الحي الذي كنت أسكنه ونزحت منه منذ أربعة أعوام، إذ لم يقتصر نهب البيوت والمحال على المقاتلين، وهي الحالات الغالبة طبعاً، وإنما امتد إلى بعض المدنيين الذين استغلوا غياب القانون وتدهور الأمن لنهب ما استطاعوا من بيوت ومحال تجارية وبيعها.
إضافة إلى حالات استغلال النازحين سواء لجهة تأمين سكن أو معيشة للعائلات التي بقيت بلا معيل، وقد شكّلت النساء هنا أيضاً أكثرية الضحايا لجهة استغلال حاجتهن وعائلاتهن والاعتداء عليهن من قبل تُجّار الأزمة وصناعها ومستثمريها.
أعود لأقول إن هذه الأخلاق كانت كامنة خلف قشرة مزيفة من الرياء الاجتماعي والديني، وكانت الحرب مناسبة لظهورها، وهي نتاج القيم التي نشرتها الطبقات الناشئة في المجتمع السوري من الأثرياء الجدد نتيجة حلقات النهب والفساد المرتبطة بمواقع النفوذ والسلطة، والتي شكّلت ما يسمى بالبرجوازية الطفيلية، وهي التسمية المُلطّفة ربما للكومبرادور ووكلاء الشركات الأجنبية المتحالفين مع برجوازية بيروقراطية سرعان ما كانت تنضم إليها لتُصبحا جسداً واحداً يسيطر على مفاصل الاقتصاد والمجتمع وحتى الإعلام، وكان هذا التحالف الطبقي غير المرئي مباشرة نتيجة ضجيج الشعارات وغبارها الكثيف، كان ينشر أخلاقه ورؤيته النفعية في المجتمع، ونجح إلى حد بعيد في تطبيع المجتمع السوري بطابعه وأخلاقه (لا أخلاقه- في الحقيقة) وأصبحت عبارات مثل (شاطر، حربوق، عم يدبر حالو…) صفات مستحبة وإيجابية، في المنظور المجتمعي.
إذاً، ما فعلته الحرب هو إماطة اللثام عمّا كانت تستره قشرة مزيفة وقناع عابر… لكنها تبقى المسؤول الأول والأخير عمّا حصل ويحصل… فلتنتهِ الحرب أولاً، ثم نلتفت إلى ما فعلته بأرواحنا وقلوبنا ونحاول ترميم ما تهدم منها…