جرعة فسادٍ إضافية..
تتجمع الأوساخ حيث المكان الفقير للنظافة، فالقصور المتبرّجة لا بدّ من أن يكون فيها زاوية غير مرئية يفتك بها العفن..!
لم تكن سورية أكثر نظافة من ذاك القصر الذي تختبئ في حشاياه الحشرات التي تكالبت في الفرصة الأولى لها على تفتيت الروابط الأخلاقية والوطنية في البلد الذي لا يخلو من قذارةٍ جرّتْنا إلى مستنقعاتها!
شكّلت الأزمة جواز سفر للفساد كي يعبر بواسطتها بشكل مشروع، بعدما كانت تحدث الأمور بطريقة مخفية وبمداراة كبيرة للفضيحة، إلاّ أنه في ظلّ الأزمة بات الأمر أسهل، فالدعارة مثلاً لم يسبق أن كانت مألوفةً في بلدنا، بل إنها غير مقبولة على الإطلاق، إلاّ أن هذا لا يعني أنها لم تكن موجودة قط، بل كانت متوارية خلف الكواليس، وبات من غير المُستغرب أن تسمع عن بيوت الدعارة منتشرة أو كازينوهات ونوادي ليلية دون خوف من الرقابة.
بينما الحشيش كمثلٍ ثانٍ، أصبح موضة الجيل بأكمله، وشرع أن يكون بديلاً للسجائر، وإذ توارت الرقابة تمادى هذا النوع من الانحلال الأخلاقي على الأغلبية الكبيرة من الجيل.. أمّا التسوّل فاحتشد في الشوارع وبات أمراً مزرياً، وشوّهت أولئك المتسوّلات الطفولة بحملهنّ أطفالهن الرضع على أيْمانهم مرتمين على الأدراج هنا وهناك، والحكومة غير آبهة بإيجاد حل جذريّ!
أما الوباء الأعظم الذي فتك بالجيل(مواكبة الموضة والتعري) ففي كلّ صيف جديد بُعيد الأزمة نشهد عرضاً للأجساد وليس للأزياء، فقد بات موضوع التعري شائعاً في أيّة مناسبة وأيّ وقت، وصارت الثياب الضيقة ذات الإغراءات اللافتة واحداً من المناظر المألوفة في الشوارع التي شهدت صيفاً استعراضياً نتناً للمناطق الأنثوية البحتة عن طريق اللبس الفاضح، فأين الأخلاق؟؟
أين أخلاق من باع البلد مقابل 1000 ليرة أو(كروز دخان) على الحاجز؟!
أين ضاعت أخلاق المرتزقة عندما قايضوا وطنهم بملغٍ زهيد!؟
من مدّ الحبل للفساد المتفشي في كل الدوائر الحكومية التي تسجل كل يوم عدداً كبيراً من السرقات غير المحدودة!؟
أين الرقابة عن تلك التهريبات الحدودية التي تُدخل السيارات المحشوّة!؟
والشاحنات التي تتفتق عنها الممنوعات؟
أين عيون الأمن عن القتل الذي بات موضة اليوم وكأننا في شريعة غاب يكتسحها، حق أخذ الثأر باليد بتناسي وجود الشرطة!
نشهد اليوم مئات الملفات المسجلة ضد مجهول أو التي طال التحقيق فيها دون نتيجة..
لم يعد شيء كما كان..
سورية قبل الأزمة رغم كلّ الفساد الذي عاشته كانت آمنة محلياً نوعاً ما، فلا خوف من الأزقة المظلمة ولا من التحرّش في الشوارع والميكروباصات الذي شرع اليوم أن يكون إحدى صفات الشباب المتجذرة بشخصيته!
أعطت الأزمة الفساد جرعات فاقمت الوضع السابق لها، وخلقت فطريات جديدة سبّبت التهابات أصابت قلوبنا وأوجعت بلدنا.. أما أخلاق الذي أوصلونا إلى هنا فقد أكلها التعفن كلها.. واضطر أصحابها لبتر الضمير!