صوت المعالاة… صوت الوطن

على الرغم من عدم تقاربهما فكراً وطبعاً وطبقة، فقد اجتمعا في منزلها. ولما كان من الصعب على السوريين، مع استمرار نكبتهم الراهنة واستشرائها، أن يجتمعوا بعضهم مع بعض أو مع غيرهم، من دون أن يعرضوا حيثيات محنتهم، دوافع وروافع ونتائج، فقد كانت الأزمة هي الطبق الرئيس في وجبة حوارهما. موال ومعارض جمعتهما المصادفة وصلة القربى ب (زاهية)، فصار بيتها حلبة لصراعهما ونوافذ لمعالاتاهما، إذا أردنا أن نجمع مفردتي (موالاة) و(معارضة) وننحت هواجسهما وتطلعاتهما في مفردة واحدة، هي (معالاة).

تطلعني زاهية على ما كان من أمر ضيفيها، قائلة:

(شامل)، بناء على مكابدته هو وأسرته، من ظلم وعسف أحد المسؤولين (غير المسؤولين) الذين لا نشكو منهم قلة مثلما تعلم، لا يرى نفسه إلا معارضاً.

في حين أن (كامل)، انطلاقاً من خصوصية ارتباطه بالأرض والأهل والذكريات، ووثوقاً بعشقه لسورية بما تعنيه له من خلّص الأحياء والأجواء والأشياء، لا يرى نفسه إلا موالياً.

لقد اشتد واستشاط حوار الطرشان بين ضيفيّ، حتى تعالت أصواتهما وتراقصت فيهما الأيدي والشوارب حد التعارك.

ويصعب على زاهية (التي تربطني بها علاقة، تصفها بأنها أعمق وأشرف وأصدق من علاقتها بضيفيها). يصعب عليها هذا التشاحن العبثي بين أخوين سوريين، كلاهما يظن جنابه منافحاً عن حق وصادراً عن قناعة، لا تشوبهما شائبة من تحزّب أو توهم أو تعصب.

فتستفز زاهية ما لديها من قوة إدارة وحسن عبارة (حسب تعبيرها)، مستمِدّة من ولائها للوطن قوة، ومن معارضتها للأعداء حافزاً، ومتخذة من عقلها وضميرها مرشداً ومؤشراً.

(2)

وتختم صاحبة أطول بال وأجمل عنق قابلتهما في حياتي بالقول: وهكذا يا موطن روحي استطعت أن أعيد ضيفيّ العنيدين إلى جادة سورية، الجادة التي تتعالى على كل ما عداها من جادات الأنوات والأنانيات، رافعة راية العقل ومعلية شأن الوطن.

(3)

أما كيف تحصّل لزاهية، استمالة ضيفيها إلى جادة الصواب/ جادة الوطن؟

فقد اختصرت علي وعليكم الوقت والكلام، موجزة وساطتها بما اعتمدته من ثوابت ونقاط ارتكاز:

 التوافق بدءاً على مفهوم مشترك، لكل من (الوطن) و(الوطنية) و(الولاء) و(المعارضة).

ثم الإجابة عن سؤال: الموالاة أو المعارضة لمن؟ أين؟ كيف؟ ومتى؟

 صديق صديقك، ليس صديقك بالضرورة.

وعدو صديقك، ليس عدوك دائماً.

 لا يوجد في المفاهيم والمعاني والمعطيات والتنظيمات والبشر، مثلما لا يوجد في الألوان، ما هو أبيض تماماً وما هو أسود صرفاً، وإنما هناك أسود وأبيض على تدرجات قد تتقارب وتتناهى إلى أن تتماثل في درجة معينة.

 بفضل قانون (نفي النفي) يتطور جميع البشر والكائنات والأجرام والأشياء والمفاهيم، ويحفظ النوع. ما يعني أن هناك داخل كل معارضة موالاة، وداخل كل موالاة معارضة.

(4)

ثمة سؤال يعارض قفلنا هذه الزاوية قبل أن يطرح نفسه، على متوالية تفكيرنا، هو: كم سيدة مثل زاهية، تحتاج أسرتنا السورية الكبرى حتى تنهض من كبوتها وتغتسل من بغضائها وتبرأ من اقتتال الإخوة؟

وكم عاماً من إعادة بناء البشر والحجر والشجر، تحتاج سورية، كي تلتئم جراحها وتتماثل للشفاء؟!

العدد 1194 - 15/04/2026