تشظيّ قنبلة أوباما الاستراتيجية
اعتاد الرأي العام خلال الأزمة السورية، على تصريحات أوباما وخطاباته التكتيكية والاستراتيجية، وتباين تصريحات المسؤولين الأمريكيين التي ترتكز على قاعدتي (التأييد والمعارضة).
لقد أحدث إعلان الحرب على (داعش) خلافات في مجلس الشيوخ الأمريكي. وقد وافق على خطة أوباما 273 نائباً، وعارضها 156 نائباً. ويأتي تصريح رئيس هيئة الأركان مارتن دمبسي مخالفاً لما قاله أوباما بعدم مشاركة القوات البرية في الحرب ضد (داعش) في سورية. وتجرَّأ السيد مارتن وأعلن أن الولايات المتحدة قد تنشر القوات القتالية البرية، مما أحدث قلقاً لدى الأمريكيين الذين ذاقوا مرارة الحرب ونتائجها بعد احتلال العراق عام 2003.
لوحة غنية بالتباينات إلى حدود التناقض بعد أن أشهر أوباما (سيف الحق)، وبيَّن للعالم أنه ليس إرهابياً ولم يصنع الإرهاب أبداً..! وحتى (تميم قطر) الذي سار على سكّة الحمدين أنكر بالفم الملآن أن قطر تدعم الإرهاب! هل يصدَّق المواطنون العرب قبل أن يرحلوا من هذا العالم، أن إمارة النفط والغاز والإرهاب لم تقدم المليارات إلى المسلحين التكفيريين..؟!
يعرف السيد أوباما جيداً أنَّ استراتيجيته تنطلق من أرضية هشَّة. وأن إحداثيات خريطة الشرق الأوسط التي أضافت مواقع جديدة عليها من التحالف الدولي والإقليمي، تتقاطع هذه الإحداثيات بسبب التناقضات ليس في الأحلام فقط، بل على أرض الواقع وفي ميادين القتال، والمعارك التي يخوضها الجيش السوري الباسل، ويحقق في عديد المناطق السورية هزيمة للجماعات الإرهابية.
ومن أبرز التناقضات:
أولاً- تعدد مواقف معظم الدول في التحالف الأوبامي. فألمانيا رفضت المشاركة في ضرب (داعش). وفرنسا مشوشة الذهن ومضطربة الموقف، وتخاف على مصالحها الاقتصادية مع السعودية والخليج. أما تركيا فهي ممتعضة ولا تستطيع ضرب المسلحين تحت إشرافها وبقيادتها من الذين يدورون في فلكها من جهة، ومن جهة ثانية أفادت كثيراً من سرقة النفط السوري. ومن جهة ثالثة فقدت الثقة بحلف الأطلسي التي هي عضو فيه، خاصة دعم الناتو لأكراد سورية.
ثانياً- حذَّرت روسيا من مخاطر هذا التحالف وخرقه للقانون الدولي، بينما إيران نبَّهت أولاً إلى مخاطره وثانياً هددت وقالت: إن أمريكا تلعب بالنار في المنطقة، وعليها أن تدرك أنه لا يمكنها مهاجمة سورية بحجة محاربة (داعش). واتَّهم المرشد الأعلى خامئني الولايات المتحدة بالكذب. بينما ترافقت مطالبة سعود الفيصل، بأن تشمل الغارات مواقع (داعش) في سورية، ابتسامة مهتزة، وقال دون أي رادع: (إن الحرب ستستغرق عشر سنوات للتخلص من التنظيم والنظام في دمشق).
ثالثا- لم تصمت الحكومة السورية، بل وعلى لسان المسؤولين جاء: سنقاتل كل من يعتدي على سورية. وكان رد أوباما يشكل تهديداً مباشراً، فهو سيدمّر الدفاعات الجوية السورية، إذا اعترضت الطائرات الأمريكية.. ألا يعلم أوباما أن مشروعه النرجسي هو جنين غير قابل للحياة؟!
رابعاً- يحاول العدو الإسرائيلي في الجولان المحتل، وتركيا في شمال سورية إقامة منطقتين عازلتين، آمنتين، منذ بداية الأعمال الإرهابية قبل سنوات ثلاث. إنهما حلمان استعماريان فاشلان.
خامساً- إن اختراع ما يسمَّى (المعارضة المسلحة المعتدلة) التي – وحسب أوهام أوباما والبيت الأبيض- ستكون البديل لـ (داعش) بعد أن يهزمها الطيران الأمريكي، يلاقي السخرية حتى من المقربين منه.
سادساً- وجود مئات البؤر الساخنة على الخريطة الاستراتيجية الأمريكية، تتمثل بوجود مئات التنظيمات الإرهابية متعددة القيادات والانتماءات وجهات التمويل والإشراف من جهة، وتباين المواقف بين دول مجلس التعاون الخليجي، التي أنتجت التناقضات والتي ما تزال قابلة للانفجار، رغم التصريحات بعد لقاء جدة بالتئام الجرح الخليجي من جهة ثانية.
سابعاً- الموقف المصري الذي عبَّر عنه الرئيس السيسي أثناء لقائه مع وزير خارجية أمريكا. وقال: (المحافظة على وحدة الأراضي السورية كاملة، وعدم السماح بسيطرة أية جماعات دينية على أي جزء من سورية، مهما رفعت تلك الجماعات من شعارات الاعتدال).. وهذا الموقف يؤكّد أن ما يسمّى (المعارضة المعتدلة المسلحة)، ما هو إلاَّ فقاعات تملأ فراغاً سياسياً بـ (الجعجعة الإمبريالية).
إن الخطة الاستراتيجية الأمريكية الإمبريالية واضحة المعالم، يعرفها الشعب السوري بشكل جيد منذ زمن بعيد، ويعرف أيضاً الهواجس الأوربية والخليجية وأطماع بعض الدول الإقليمية. وإن الشعب السوري بمكوناته ونسيجه الاجتماعي، رغم البربرية وجميع عمليات القتل والتخريب التي تعرَّض لها، يعرف كيف يدافع عن سورية ويقطع ألسنة المتغطرسين، ويحطّم أسلحة الأعداء من أية جهة جاؤوا.