عاش جحا… مات الملك

عندما سئل الملا نصرالدين، المعروف بجحا: لماذا يخرج الناس في مختلف الاتجاهات كل صباح ولا يذهبون باتجاه واحد؟ أجاب بعبقريته النادرة: لو ذهب جميع الناس في اتجاه واحد لانقلبت الأرض إلى ذلك الاتجاه والعياذ بالله…

وأستميحكم عذراً في شرح المشروح، يقول جحا هنا إن الاختلاف سنّة الحياة وأصل الأشياء، بينما التشابه موت وهلاك..

يقول إن الناس ليسوا في حقيقة الأمر على دين ملوكهم، وإنما هم متعددو الأديان والاتجاهات، وإنما يتظاهرون بأنهم على دين ملوكهم خوفاً أو طمعاً.

وإن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها (بإكراه الناس على التشابه)، وجعلوا أعزة أهلها أذلة (بالسجن والقتل والنفي والتشهير لكل من رفض تبوء مكانه في القطيع)، والملوك أنواع وأسماء يا طويل العمر لكنهم في النتيجة متشابهون، فالملك هو الملك، كما عنون المبدع الراحل سعدالله ونوس إحدى مسرحياته الخالدة.

وبإلغاء كل اختلاف يمهد هؤلاء طريق الهلاك والدمار أمام بلدانهم، ويغلقون طريق التطور الطبيعي والمثمر.

ما لنا وللملوك الصناديد، دعنا في سيرة الملا نصرالدين الذي تجرأ على تيمورلنك حين استدعى علماء الشام إلى ديوانه ليقوم بإعدامهم واحداً واحداً بعد أن يوجه إليهم سؤالاً واحداً: بكم تثمنوني؟ ومهما بالغ بعضهم في رفع سعره يقوم بإعدامه بحجة أنه يستحق أكثر من ذلك، فيما يسارع إلى إعدام الذين يذكرون الحقيقة بأنه لا يساوي شيئا لأنه غازٍ وقاتل.

حتى جيء بجحا الذي أجاب عن سؤال القائد الغازي قائلاً: إني أثمنك بخمسين ديناراً، فقال تيمورلنك: ويحك أن زناري هذا يتجاوز ثمنه خمسون ديناراً.

فقال جحا: وأنا لا أقصد سوى ثمن زنارك هذا…

هنا ضحك تيمورلنك ـ كما تقول الرواية التي لا تصدق ـ وعفا عن الجميع.

وبغض النظر عن صدق الحكاية أو خياليتها بسبب منسوب الجرأة غير الاعتيادي في جواب جحا، فإن سير جحا والساخرين في معظمها تعكس حلم الإنسان العادي البسيط الذي يتغلب بحس الفكاهة لديه وببداهته الغنية ومخيلته على أعتى الطغاة.

هذا الساخر الذي كتبت في نوادره مجلدات، واستقيت منها عشرات الأعمال الفنية الساخرة من مسرحيات ومسلسلات وأفلام، ما زال يشكل بعمامته الكبيرة وجسده النحيل مصدر وحي للكثير من المبدعين في الاستهزاء بالخوف والقوة، أو بقوة الخوف التي حكمت وتحكم مجتمعات بأكملها لعقود وأحياناً لقرون، فيبقى ما يبدعونه خالداً تتناقله الأجيال، فيما يرحل الطغاة ولا يبقى منهم سوى سير الضحايا والحرائق والغزو والتدمير.

ولا بد هنا من سرد حكايته المعروفة مع الملك وحماره، إذ طلب الملك ممن يطلب مجد مصاهرته أن يقوم بتعليم حماره القراءة والكتابة مهراً لابنته الوحيدة وريثة العرش، وإذا فشل في المهمة فسيكون مصيره الموت.

لم يتجرأ أحد على التقدم لهذه المعجزة سوى جحا، لكنه طلب مهلة عشر سنوات لإنجاز المهمة، وحين لامه الناس على هذه المغامرة القاتلة قال قولته الشهيرة: بعد عشر سنوات إما أن يموت الحمار أو الملك أو جحا…

أحد أكبر ساخري عصرنا، عزيز نيسن رحل تاركاً خلفه آلاف القصص المدهشة في سخريتها الحادة، التي تنطق بلسان سكان القاع الاجتماعي وتمد لسانها لبلادة المخمل وضجر القصور، يقول نيسين عن كتاباته بوضوح مبدع:

موضوعاتي كلها استقيتها من الحياة التي عشتها وأعيشها، هناك أوضاع إنسانية لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، أوجاع وآلام ومشاكل، صخب حياة وظل وتخلف وأمراض عديدة، ودوري ككاتب هو تكثيف هذه الحالات والتفاعل معها وصبها في قوالب أدبية، علها تبقى في وجدان القارئ كي توجه نحو خلاصه وخلاص غيره من الناس.

ويتحسر على أنه أرّخ لحياته وحيوات أبناء جيله ولم يتسنّ له أن يؤرخ للموت أيضاً:

( يا خسارة لن أستطيع كتابة كيف مت.. وأكثر ما يزعجني هو هذا الشيء. فالكاتب حتى لو دوّن كل لحظات حياته إلا أنه سيبقى عاجزاً عن كتابة موته. على الرغم من أن الموت من أهم حوادث الحياة، وها أنذا ذاهب دون تدوين أهم لحظة من لحظات حياتي).

الملا نصر الدين خوجه التركي، جحا العربي، عزيز نيسين العالمي حفروا جداولهم الكبيرة التي ترفد الناس بالأمل والثقة بمستقبل أجمل للإنسان حين يتحرر من الحاجة والخوف، فلنضحك من جنونهم ونحن نرمق مستقبلاً خالياً من كل هذه الجنون، من كل هذه الحرائق.

العدد 1140 - 22/01/2025