حكاية من الأدب الغازي
قبل أن أروي لكم قصتي، فإني أحذر كل شخص من قبيلة الفهمانين زيادة عن اللزوم الذين سيسرعون إلى القول بأن موضوعها قديم ومكرور. كما أشجب بقوة كل من يعتقد أني خفيفة العقل، إذ يتصور أن هدف قصتي هو الشكوى للجهات المختصة، فبالنسبة للفريق الأول أقول: ليس مسلسل الغاز بأطول من المسلسلات التركية، ومع ذلك لم تملوا منها ! أما للفريق الثاني، فأطمئنه: لست أنا من أشكو وأبكي، لأن الشكوى تعني أن أنتظر رد المسؤول، وأنا في الحقيقة ألتزم بتوجيهات وزارة الصحة التي حذرتني من شرب المتة ومن الاستماع إلى ردود ووعود جماعة الاقتصاد وحماية المستهلك. فالسبب يعود إلى رغبة النقابة في شركتنا بتعميق التضامن مع الطبقة الكادحة، للمساهمة في زيادة إنتاجيتها، نظراً للعلاقة السببية بين الغاز والطبخ وكفاءة العامل، لذا سعت إلى تأمين جرة غاز لكل موظف لديها.
تبدأ الحكاية في صباح يوم مشرق طبعاً، إذ نهضت من النوم، ورحت أوقظ زوجي بكل فخر واعتزاز – كما يقال في احتفالاتنا – لأخبره أن اليوم الموعود قد حان، إنه موعد تبديل الغاز… والحقيقة أنه نهض نشيطاً رغم أن الوقت كان مبكراً جداً، إذ كان علينا التفكير بالخطة التي سنتبعها للوصول إلى غايتنا، فالمسألة ليست بسيطة، إنها جرة غاز وليست علبة سمنة، ودخولها إلى بيتنا سيسبقه طنة ورنة مثل أي عروس!
أول مشكلة كان علينا مواجهتها مشكلة طفلتنا، فالمرأة التي ترعاها أخبرتنا أنها مشغولة بتأمين الخبز من الفرن لأجل غير مسمى، وبالنسبة لزوجي فقد أخذ إجازة من عمله لكي يكون إلى جانبي لحظة حصولي على جرة الغاز ، وأنا طبعاً لا أستطيع التغيب عن هذا الحدث التاريخي، إذ عليّ أن أكون موجودة لإثبات نَسَب الجرة إلي شخصياً… المهم قررنا حمل الطفلة إلى بيت أحد أقاربنا الذين لم نزرهم منذ سنين. وعندما لففناها بالبطانية، خطر لي خاطر ذكي، إذ اقترحت على زوجي أن أحمل أنا الطفلة بينما يقوم هو بلف الجرة ببطانية وحملها بين ذراعيه مثل الطفل، لكي لا يشك بنا الجيران فيظنوننا من المسؤولين، لاقت فكرتي الاستحسان، وبسرعة نزلنا من بيتنا وكل واحد يحمل في حضنه حمله الثمين، وعندما صرنا في الشارع لاحظت بعض النظرات المريبة تجاه زوجي، بل إن البعض تمتم: ما شاء الله هذا الولد صحتو منيحة ماذا تطعمونه؟ وحين وصلنا إلى بيت أقاربنا، سار الأمر على ما يرام إذ إن الجماعة تعاطفوا معنا لأن مجيئنا إليهم مبكرين (قبل الشحّادة وبنتها) جعلهم يعتقدون أني ذاهبة للولادة مع أني لست حاملاً، وكان كل شيء (تمام) لولا أن زوجي صدق أنه يحمل طفلاً بين يديه فكاد يضع الجرة الملفوفة في السرير بدل طفلتنا!
وأخيراً وصلنا إلى شركتي. وهناك كان المنظر أشبه بعرس جماعي، فكل الموظفات يبدون مبتهجات لأن أغلبيتهن لم يخرجن برفقة أزواجهن منذ سنين، وهاهو ذا مشوار مجاني متاح لهن، ولا أستطيع أن أصف لكم أجواء الفرح، ولا تغريد الطيور فوق رؤوسنا، أقصد قرقعة الأسطوانات فوق رؤوسنا التي ذكرتني بالسمفونية التاسعة لبيتهوفن – وكأني أعرف الفرق بين التاسعة والسابعة. المهم أخيراً تمت عملية الاستلام والتسليم، وصارت المحروسة لنا، رحت أتأمل لونها الأزرق الفتان، وقد أدركت في تلك اللحظة سبب اختيارهم لهذا اللون، فهو من أجل الحسد. بينما راح زوجي يجري الاتصالات بأصدقائه لمساعدته في تأمين سيارة لنقلها، والحمد لله لم يخذلوه في هذا الظرف الحرج، إذ بعد لحظات وقفت أمام باب المبنى سيارة سوداء فخمة بزجاج فيميه. وحين أخذت الجرة مكانها بكل احترام في المقعد الخلفي، وبعد أن كررت على مسامع الاثنين الوصايا العشر بشأنها، انطلق الركب السعيد، بينما عدت إلى مكتبي وأنا أهش وأبش في وجوه المراجعين الذين كانوا يحسدونني بدون شك.