أصدقاء… أعداء
سمي الصديق صديقاً لصدقه فيما يدعيه من المودة، وسمي العدو عدواً لعدوه عليك، إذا ظفر بك.
والأصدقاء أنواع..
منهم كالريح، إما أن يزيلوا عنك غبار الأسى والحزن والكآبة، ويبعدوك عن المصائد والمكائد والأسلاك الشائكة، والنار الآكلة، والعقارب السامة، ومنهم كالعواصف والزوابع والأعاصير، لا يهبون إلا ليقتلعوا كل شيء من حولهم.
(ومثل الصديق الملخص كاليد تستعين باليد، والعين بالعين، والصديق المزيف كالظل: يمشي وراءك عندما تكون في الشمس، ويختفي عندما تكون في الظلام). ومنهم كالخمر، يفقدونك عقلك وتوازنك ليضحكوا عليك.. فيسلبوا مالك إن كنت من أصحاب المال، أو يسرقوا كتبك، أو يستعيروها دون رد.
في جنونك سعادتهم. وفي سكرتك راحتهم..
(ويبقى الصالح من الرجال صالحاً حتى يُصاحب فاسداً، فإذا صاحبه فسد، مثل مياه الأنهار، تكون عذبة حتى تخالط ماء البحر، فإذا خالطته ملحتْ). وبعضهم كالماء، إما أن يسقوك عند عطشك، ويحملوك عند حاجتك، فتكون بذلك السفينة وهم ماء البحر، والسفن لا يمكنها أن تبحر فوق اليابسة.
(وإن الصديق الحقيقي، خير من الأخ الحقود).
وإنما ليس كل المياه متشابهة..
هناك مياه تحيي.. ومياه تميت..
عذبة وآسنة..
داء ودواء..
منها ما يرفع.. ومنها ما يُغرق الأحياء، ويبتلع الأموات.
(وبعض الصداقة من صنع الطبيعة، وبعضها من صنع الروح، وإن الصديق الصدوق ثاني النفس، وثالث العينين).
ومثلما لا يمكننا معرفة الذهب من التنك إلا بعد حك المعدن وتعريضه للنار.. هكذا الأصدقاء، لا يمكننا معرفة ودّهم وإخلاصهم وحبهم إلا بعد تعرضنا للمحن والشدائد ولهيب الحوادث.. فإن كنا على صواب وقفوا معنا، وإن كنا على خطأ نصحونا بلطف ورقة، فاللوم والعتب والتقريع العنيف والشماتة قد يؤدي كل ذلك إلى خسارة أعز الأصدقاء وأقرب الناس إلى قلوبنا. (وخنجر العدو أسلم وقعاً من شماته الصديق).
أليس من الواجب علينا أن نتمهل عند اختيار الصديق، ونزداد تمهلاً عند تغييره؟
(إن الأصدقاء الحقيقيين يصعب إيجادهم، ويصعب تركهم، ويستحيل نسيانهم فيا صديقي: إن كنت أعمى وأنا أبكم أصم، فضع يدك بيدي كي يدرك أحدنا الآخر.. فالسواد يظهر البياض، والبياض يوضح النقاط السود، فبعضنا كالحبر، وبعضنا كالورق، فلولا سواد بعضنا لكان البياض أصم. ولولا بياض بعضنا لكان السواد أعمى).
تعاريف..
يقال: تضيع الفضائل في الغايات.. كما يضيع ماء النهر بالبحر.. ويقاس العظماء بالفضيلة والشرف، لا بالثروة والمناصب. فالعاري من الشرف والفضيلة لا يمكن لأي شيء في العالم أن يستره.
وقيل: إن العلم والمال والشرف اجتمعوا مرة، وحين أرادوا أن يفترقوا، قال المال: إني ذاهب يا إخوتي، فإذا أردتم أن تجدوني فابحثوا عني في ذلك القصر العظيم.
وقال العلم: أما أنا يا إخوتي، فإنني إذا ذهبت، فلن أعود أبداً.
ـ وجوه وثياب…
نظر فيلسوف إلى رجل حسن الوجه، خبيث النفس، فقال: بيت حسن، وفيه ساكن نذل. (.. ذات يوم، التقى القبح والجمال على شاطئ البحر، فقال كل منهما للآخر: هل لك أن تسبح؟ ثم خلعا ملابسهما وخاضا المياه، وبعد قليل عاد القبح إلى الشاطئ، وارتدى ثياب الجمال ومضى هارباً.. وجاء الجمال بعد برهة، فلم يجد ثيابه، فخجل كل الخجل أن يكون عارياً، ولذلك لبس ثياب القبح ومضى في سبيله.
ومنذ ذلك اليوم والناس يخطئون كلما تلاقوا في معرفة بعضهم البعض. غير أن هنالك نفراً ممن يتفرسون في وجه الجمال ويعرفونه رغم ثيابه.. وثمة نفر يعرفون وجه القبح، والثوب الذي يلبسه لا يخفيه أو يستره عن أعينهم..).