أطفال بلا طفولة

تنقلتُ في مهنتي– مدرِّسة- في العديد من المدارس وعلّمت عدة أجيال متتالية، كنّا نشاهد ونسمع الكثير من القصص التي تُخلّ بالأخلاق العامة السائدة، لكنها كانت على نطاق ضيّق بين الطلاب والطالبات وتُمارس بالسر، كالتدخين في المدرسة أو استخدام المكياج أو تعاطي المخدرات، وكنّا إذا ما سمعنا بها نُصاب بالدهشة والقلق على الجيل بأكمله من استشراء تلك الظواهر الفردية في ذاك الوقت، ولكن المعالجة الفورية لها تجري من خلال استدعاء أولياء أولئك التلاميذ، وبالتالي العمل معهم على معالجة المشكلة كي لا تصبح سلوكاً ونهجاً عند التلميذ المعني فيفقد براءته وطفولته، إنما ما بتنا اليوم على تماس مباشر وفعلي معه صار أفظع مما كان متوقعاً أو ربما لم يخطر على بال، فالمسلكيات اللاأخلاقية صارت علناً وعلى الملأ دونما رادع، ولهذا عدة أسباب مترابطة معاً:

_ غياب الدور المهم والحقيقي للأهل في البيت: ففي غالب البيوت يغيب الأبوان عن المنزل، إما بدافع العمل أو ناتج الأحداث، إذ يغيب أحدهما وغالباً الأب بشكل متواصل، وحتى وإن حضر الأبوان معاً فإن رقابتهما ومتابعتهما لأطفالهما باتت ضئيلة، إن لم تكن معدومة.

_ تقليص دور الكادر التدريسي والإداري في المدارس من قبل وزارة التربية والقائمين عليها، فمهمة المدرس/ة هي إعطاء الدروس فقط، ومنعه/ا من التدخل في القضايا التربوية الأخرى التي هي من خضم عمل الوزارة التي سميت بأنها وزارة تربية، وبالتالي حصر مسؤولية الكادر التدريسي والإداري ضمن نطاق العمل الإداري والابتعاد به عن العمل التربوي، والمفاجأة الأكبر أن هذا بات بطلب من الأهل، كأن تقول لنا إحدى الأمهات: (لا أريد لأحد أن يربي ابنتي معي)… حتى وصلتُ أنا كمدرِّسة وبصراحة لمرحلة أن أغض الطرف وأتابع السير حينما أرى تلميذاً من طلابي يتفوه بشتيمةٍ ما على أساس أنه يخاطب زميله بينما يكون متعمداً أنها لي، فلشدة ما تعرضنا لهكذا تفاصيل ولم نلقَ أيما صدىً لا من الأهل ولا من الوزارة بتنا نحاول عدم التدخل، وليس هذا تهرباً من المسؤولية، بل لأن يداً واحدة لن تصفق أبداً!!

_ الاكتظاظ السكاني وتنوعه: فوجود بيئات مختلفة في قيمها وأخلاقياتها وطرق تعاطيها مع مثل هذه القضايا أدى لأن تنشر كل بيئة ما لديها وتتلقف من الأخرى ما لديها أيضاً، وبالتالي تداخلت القيم كلها معاً، وساهمت في إزالة النقاب عمّا كان مستوراً، فما نشاهده اليوم كان موجوداً في الماضي، إنما ليس بهذا الشكل الهمجي والفظ والوقح والمباح….يضاف إلى ذلك العدد الكبير من المقيمين في البيت الواحد والذي غالباً ما يكون غرفة واحدة يُعاش بها كل شيء وعلى مرأى من الجميع، وليس أولها ولا آخرها العلاقة الخاصة بين الأبوين.

_ وسائل التواصل المتنوعة والتقنيات الحديثة: التي انتشرت كالنار في الهشيم فصار ما تطرحه بمتناول الجميع صغيراً أم كبيراً، والمشكلة الأكبر أنها باتت في متناول الصغار أكثر، وتحديداً بموافقة الأهل الذين يقول حال لسان بعضهم: (من الأفضل أن يجلس ابني في البيت وبيده الموبايل من أن يخرج للعب في الحارة مع أناس لا أعرفهم)… ربما يحمل هذا الكلام شيئاً من الصواب، لكن هل تعلمون أيها الأهل الموقرون ماذا يتابع ابنكم الجالس قبالتكم؟ هل فكرتم في الدخول إلى عوالمه والتدخل في اللحظات الحرجة؟

إن سهولة النشر والعرض أدت لأن يرى هؤلاء الصغار ما لا يجب وهم بأعمارهم هذه أن يروه أو يتعلموه، ومن ثم التباهي بما يشاهدونه ونقله إلى زملائهم، فيصبح التطبيق العملي على أرض الواقع مشهداً شبه يومي نعيشه في المدارس، لاسيما المشاهد الجنسية التي صارت تتكرر ولم يعد من عملٍ لنا إن أردنا أن نكون مربين حقيقيين سوى ملاحقة ومفاجأة التلاميذ في كل الأماكن خلال أوقات الدوام الرسمي خوفاً من المزيد الذي لم يعد مقتصراً فيما بينهم كتلاميذ، بل تعدى ذلك ليطولنا نحن كمدرسين، وكثيرة هي القصص التي نعيشها سواء بالتحرش اللفظي أو الجنسي من قبل التلاميذ.

للموضوع تشعبات عدة، ولا يقتصر على الألفاظ السوقية وحدها، أو السلوكيات اللاأخلاقية، أو التدخين، أو المخدرات… بل باتت كلها مجتمعة معاً، كلاً متكاملاً، حتى صارت مشهداً من مشاهد الانحلال الأخلاقي في المجتمع…

إلى أين نحن ذاهبون وهذه هي الصورة المتكاملة أمام أعيننا؟ وما هي الحلول التي يجب علينا البحث عنها؟؟؟ تحديداً في ظل انعدام وجود من يتحمل المسؤولية وبالتالي يعمل على تسليط الضوء على هذا الواقع العفن في مجتمعٍ لا يزال يتبجح بالأخلاق في حين أنه أبعد ما يكون عنها؟؟ فإن كان أطفال المجتمع يترعرعون بلا رادع تربوي أخلاقي قيمي، خاسرين براءة طفولتهم ورونقها، فكيف سيكون حال هذا المجتمع حينما يصبح أطفاله عماد نهوضه؟؟

العدد 1188 - 25/02/2026