الوعود الحكومية «تسونامي» يطيح بما بقي من حياة معيشية كريمة
غريب أمر هذه الحكومة، ويثير التساؤل ما تتخذه من إجراءات ظاهرها حماية المواطن، وباطنها عكس ذلك تماماً؟ ومع كل وعودها التي قدمتها لدعم المواطن وتحسين مستواه المعيشي، يظهر أن تغريداتها خارج السرب المراد. فالمواطن يشرِّق خلف رزقه، بينما الحكومة تغرِّب في إجراءاتها، ويختلط الحابل مع النابل، ليكون الخاسر هو المواطن، المصرّ بإرادة الحياة التي يملكها، على مواجهة مروحة التحديات المتزايدة عليه.
سعت الحكومة إلى تخفيف آلام المواطن، والحد من الضغوط القاسية جداً عليه، ويصر الوزراء الذين يظهر قلة منهم في وسائل الإعلام، على أن المواطن هدفهم الأول والأخير، ومحور خططهم وبرامجهم، القصيرة المدى والمتوسطتها، بل إنه البوصلة التي لا يمكن لعاقل أن يحيد عنها، والدرب الذي لابد للمسؤولين من سلوكه، تنفيذاً لبيانهم الوزاري، والتوجيهات العليا، والمهمة التي كلفوا بها. فهل ما زال المواطن كذلك على أرض الواقع؟ هيهات، لم يكن المواطن بشكل عام محط أنظار كل المسؤولين، ولدينا من الأمثلة ما يكفي، لإيضاح عمق الفجوة بين طموح المواطن وإجراءات المسؤولين، وبُعد المسافة بين الواقع المرير الذي يعيشه المواطن مقارنة مع واقع آخر يراه الوزراء.
فكيف يمكن للحكومة أن تقنعنا بأنها تسعى إلى تحسين مستوى معيشة المواطن وتعزيز قدراته، ومساعدته على مواجهة هذه الظروف الصعبة، وهي التي رفعت أسعار المحروقات، بنسب عالية جداً، من نحو 20 إلى 60 ليرة لليتر المازوت؟ هل هذه الطريقة تُحسن مستوى الضعفاء اقتصادياً ومعيشياً؟ ألم يمتص الرفع الأخير لأسعار المازوت الزيادة في الرواتب والدخول؟ وفي مقلب آخر، ماذا تقول الحكومة بعد زيادتين متلاحقتين بأسعار الدواء؟ هل المبررات التي ساقها صناع الأدوية كافية للرضوخ لإرادتهم، ووضع تسعيرة جديدة أثقلت كاهل كل بيت يزوره المرض؟ وقائمة الزيادة في أسعار الخدمات التي تعدها الحكومة، تطول، ففي الأسبوع الماضي رفعت أسعار الاتصالات الهاتفية، وهي تتحفز لزيادة أسعار الطاقة الكهربائية، وتبيِّت موقفاً، لايسرُّ الخاطر، لتحريك أسعار المحروقات مرة جديدة، لاسيما البنزين والمازوت، فضلاً عن الارتفاعات المتعاقبة بأسعار السلع والمواد الغذائية، واضطرار الكثيرين للتخلي عن سلع ومنتجات لم يعد بمقدورهم حسب قدرتهم الشرائية احتمال أسعارها.
تتكالب الظروف المعيشية والدولية، على المواطن السوري، ولا أفق مفتوحاً أمامه، ولا يوجد أمل يمكن الاستناد إليه، فقط التعايش مع الواقع بسلبياته الكثيرة وإيجابياته التي تعد على أصابع اليد الواحدة، هو سيد الموقف. والعلاج الوحيد الذي يستخدمه السوريون، لمواجهة كل ما ينتظر مستقبلهم، المهدد بالهاون والتوماهوك والكروز على حد سواء، بالموت جوعاً أو بالرصاص، هو الوقوف بقوة في وجه تيار العنف المتبادل الجارف، والوضع الاقتصادي المتراجع والمتردي. لا أحد يساعد هؤلاء الذين استغلهم المستفيدون من الأزمة وما قبل الأزمة من قوى فساد ومتاجرين. أكلوهم لحماً، إن صح التعبير، والآن يرمونهم عظماً، بالتواطؤ مع قوى كثيرة، رغم أن السيل بلغ الزبى، والخطر المحدق طرق الأبواب، وها هو ذا يستعد للدخول إلى غرف النوم.
غابت الإجراءات، بكل ما يعني الغياب، من قسوة، وبقيت الوعود المتفائلة كما هي، تحاول بث الحياة في أوصال امتدت يد الموت إليها، وأجساد تيبست من الانتظار والقهر والشكوى، وقطاعات اقتصادية لم يعد لديها الكثير من عناصر القوة لتدافع عن نفسها، أو تقدم المطلوب منها، لزوم الحياة الكريمة. ويتسم الحضور الحكومي في حياتنا المعيشية بأنه خجول إلى حد يثير التساؤل؟ وبسيط جداً، ولا يكاد يتجاوز عتبة المتاح في الإطار الضيق. وتحاول الحكومة تعظيم حضورها، وزيادة فعاليتها، وترغب في ممارسة دور اللاعب الأساسي، إلا أن الواقع الذي تدور فيه، ضيق جداً، لايتسع لطموحات المواطنين وتطلعاتهم، وملعبها لايتيح الفرصة لتمارس دورها الكبير المنوط بها. فحكومة الحد الأدنى لايمكن أن تكون حكومة المرحلة الحالية، والبطء الشديد في تنفيذ الخطط لايجسد طموحات الناس. وتبادل المسؤوليات بين من هو قادر على العمل وآخرين محبطين ويائسين، لن يغير الواقع. والترف الذي يعيشه البعض يحجب أشعة الشمس بغربال، والهاوية التي نسير إلى جانبها، لن تكون رحيمة باقتصادنا، ومواطننا. وعلى الحكومة أن تدفع بالاقتصاد بقوة للابتعاد عن الهاوية السحيقة، وأن تطلق خططاً قابلة للتحقيق، والابتعاد عن (تسونامي) الوعود، الذي يطيح بما بقي من حياة كريمة.