التنمية الاقتصادية والدوائر الخبيثة

لم يعد خافياً على أحد الدور الذي تلعبه القوى الرأسمالية المتوحشة في الهيمنة على ثروات الشعوب واستلاب إرادتها، وصولاً إلى نهب ثرواتها وإبقائها تابعة ضعيفة هزيلة. والمتابع لمعظم خطط التنمية في الوطن العربي لا تعوزه الفطنة ليكتشف أنها خاضعة على الدوام ومرتهنة للمصالح الأجنبية لأن الأنظمة في معظمها فاقدة السيادة، وبالتالي، فالخطط توضع وتطبخ، في المطابخ الأجنبية، ثم تفرض على هذه الدويلات لتنفيذها على أيدٍ تدربت في المراكز الاستعمارية، لتنفذ بأيد عربية ارتضت لعب دور العمالة والسمسرة على أبناء أوطانها. وخاصة ما يطلق عليه خبراء المصرف الدولي، وما شابه، والتي تهدف إلى ربط التنمية بخطط الليبرالية المتوحشة ومصالحها، ومراكز القرار الإمبريالي الصهيوني، وإلحاقنا (بشراكات) مشبوهة، وخاصة الشراكة الأوربية، والمتوسطية، والتي لا تخفى أبعادها السياسية الخطيرة على مصالحنا القومية، إذ يخطط للدخول في شراكة مع أكبر كتلة اقتصادية وتجارية على الصعيد العالمي، ما يجعل دور الدولة الصغيرة في الاندماج مع الطرف الآخر هامشياً، وقدرتها التفاوضية محدودة.

ويمكن أن نحدد الدوائر الخبيثة للتنمية والتي تؤدي لتدمير وتهشيم القوة الاقتصادية للوطن وتفتح باب الأزمات والكوارث المختلفة على الاستقرار الوطني والسبب المباشر للفوضى والاضطراب وتهيئ التربة المناسبة للقوى الإمبريالية للعبث بأمن الوطن ومستقبله.

1- الدعوة الساذجة إلى الحد من الدور الاجتماعي للدولة على أساس منحها أبعاداً ومضامين انفتاحية، سيما في أوضاع هشة ومتوترة، تخفي وراءها دعوات للفتنة، لا أحد يدرك كيف ستكون مضاعفاتها وتداعياتها. فبدأنا نشهد صراعات الإصلاح وتغيير طبيعة الأشياء في المنطقة بإجراء إصلاحات سياسية، واقتصادية، وتربوية، على أنظمة المنطقة في إطار مشروع (الشرق الأوسط الجديد). وذلك بمحاولة تكريس الخصخصة التي تطرح فرضية مفادها انهيار الدولة بعد أن تتخلى بالتدريج وبمحض إرادتها، أو عنوة، عن وظائفها، بحيث تسند الحكومات بعض مسؤولياتها ومشروعاتها إلى وكالات تجارية متخصصة، بدعوى أنها تعطي نتائج أفضل. والمستغرب والمستهجن أن مثل هذه التوجهات قد طالت العصب الحساس من هويات المجتمعات العربية عندما تعهد بعض الحكومات وخاصة الخليجية إلى شركات ومراكز أمريكية إعادة تقويم التعليم، والتدريب السياسي، والتخطيط الاستراتيجي، بما يفضي إلى عملية انكشاف واسعة، وتضيع معها مسائل الأمن القومي الذاتي، والخصوصية مثلما تفعله مؤسسة (راند) الأمريكية في دولة قطر.

ولقد عملت المستوطنات الفكرية والاقتصادية التي زرعتها القوى الاستعمارية في الوطن العربي على استغلال شعارات الإصلاح والتطوير، للنهوض بالبلاد، وظنوا أن الوطن قد وضع في المزاد العلني لبيعه للقوى الاستعمارية، كرمى لعيون أسيادهم، فأخذوا يركزون على أن اقتصاد السوق، بمسمياته المختلفة، هو طريق الخلاص، وأنه لا مفر أمام العرب للتقدم إلا بالركوب في قطار العولمة التي جوهرها الخصخصة والليبرالية، والأخذ بمرتكزاتها من بورصات وغير ذلك، تمهيداً لتسليم الوطن لمجموعة من السماسرة والوكلاء للأجنبي الذين لا هم لهم إلا الربح.

 لقد فات هؤلاء الداعين والمنظرين لاقتصاد السوق أن النجاح والفشل ليس مرتبطاً بنوع الملكية، بل بإدارة الملكية، والدليل على ذلك وجود شركات ناجحة وخاسرة في كل من القطاعين العام والخاص. إن القطاع العام ضرورة اقتصادية وليس ظاهرة سياسية، بدليل وجوده في الدول ذات التوجه الرأسمالي.

2- الاعتماد على البورصات وإدخالها في الاقتصاد الوطني لأن الانهيار في البورصات وفق قواعد اللعبة الليبرالية هي إحدى وسائل الليبرالية الجديدة والعولمة في الاحتيال البريء وممارسة عملية البعض والابتزاز في وضح النهار وبالقانون والأوراق الرسمية وبمحض إرادة الزبن.

لقد بدأت تتركز وتتوطد فعلياً أركان اقتصاد السوق الليبرالي في معظم دويلاتنا العربية. وذلك بهدف:

– سحب المدخرات والثروات الوطنية المتراكمة.

– تكريس عملية اندماج المصالح ما بين الوكلاء المحليين والشركات والمؤسسات المالية الكبرى خارجياً، وتقليص النشاط الاجتماعي المطلوب في المجتمع.

– تكوين ثروة هائلة لشرائح محدودة عبر المضاربة والتلاعب بقيمة العملة والتحويل والسهم.

-إعادة الأرضية لتغلغل الرأسمال الأجنبي، وتشجيع ظواهر النصب والاحتيال، وكما هو معلوم.

3- البدء باتجاه الانقضاض على مكتسبات الجماهير الكادحة من عمال وفلاحين وغيرهم، والمترافقة مع مسلسلات الخطوات الزاحفة للقضاء على القطاع العام، تحت لافتة مخادعة: إنقاذ القطاع العام بواسطة: الإدارة بالأهداف – فصل الإدارة عن الملكية، والتي تهدف إلى خصخصة القطاع العام والتي ترافقت مع تشجيع المواطنين على اقتناء السيارات الفارهة الخاصة رغم ما فيها من تكلفة اجتماعية عالية، تتمثل في الاستهلاك النسبي للوقود، وارتفاع مستوى التلوث الجوي، والإشغال الكبير للشوارع أثناء سيرها أو وقوفها للمبيت. وذلك بدلاً من تشجيع إقامة شبكة من وسائل النقل الجماعية تتسع لعدد كبير من الركاب لحل مشكلات المواصلات داخل المدن، تقدم للمواطنين خدمات مع الحفاظ على كرامتهم والالتزام بالنظام ومعايير السلامة، وخصخصة التعليم بإنشاء جامعات خاصة، وهي مشاريع يريد أصحابها من ورائها الربح بالدرجة الأولى، بهدف تبيض الأموال لأولئك الذين أثروا في ظل موجة الفساد وغياب المحاسبة، بدلاً من زيادة الجامعات الحكومية التي تستوعب المزيد من الطلاب، وخاصة الفقراء.

إن هذه السياسات تصب في خانة الليبرالية المتوحشة التي هي قاطرة الإمبريالية، إذ أدت إلى كوارث إنسانية واجتماعية. فوصلت البشرية بسببها إلى أنه في كل سبع ثوان يموت طفل من الجوع يقل عمره عن عشر سنوات، وذلك عائد في معظم الحالات إلى عامل قهر واحد، سادة العالم الجدد، سادة الرأسمال المعولم والمرتزقة النهابين داخل منظمة التجارة العالمية، والمصرف الدولي وصندوق النقد الدولي. وبقدر ما يتعين استنكار التضخم الهائل للدولة على حساب المجتمع، يجب الاحتراس من مخاطر (لغة السوق) وإعطاء الأفضلية للخاص على العام في عملية (إصلاح) سياسي سطحي تحت عنوان (الديمقراطية).

لا أحد ينكر تضخم جهاز الدولة على حساب المجتمع والمواطن، فهي مسؤولة عنه في كل شيء، إلا أنها تحولت فجأة لتطلب منه ألا يعول عليها في شيء، وأحياناً على صعيد الأمن الشخصي، والجماعي، فهي تطالبه بدفع كل الضرائب على أن يتكفل هو بصحته، وبنقله، وبسكنه، وبتعليم أبنائه، وبتشغيلهم. ونقص الموارد، وتضخم القطاع العام وانعدام مردوديته بحيث يمكن القول: إن الدولة تضخمت على حساب المجتمع. ما دعا بعض الباحثين والمفكرين للقول: (إن مظاهر الإعياء باتت بادية على الدولة في ضوء ما تواجهه من مطالب وضغوط)، وبدأ الرأسمال يفرض شروطه على الدولة، تحت شعار ضرورة إدخال إصلاحات على المؤسسات الاقتصادية، وأجهزتها المالية، والتعليمية والإدارية.

إن النجاح في تحقيق التنمية الحقيقية يتطلب إعطاء الأولية للفئات الفقيرة في المجتمع، والاهتمام بالصناعة الوطنية وحمايتها ودعمها ودعم الزراعة والعاملين فيها، وإقامة الصناعات المتسقة مع الإنتاج الزراعي، وصولاً إلى تحقيق الأمن الغذائي الذي هو العمود الفقري للسيادة الوطنية، ومحاربة الفساد ووضع ضوابط صارمة للحفاظ على لقمة عيش المواطن، وسحق كل من يحاول العبث بها، وذلك بسن قوانين صارمة حول ذلك وتوفير القوة اللازمة لتنفيذ هذه القوانين. وكل هذا يجب أن يترافق ويتواكب مع تحقيق التنمية السياسية التي تؤدي إلى تحريك البرك الراكدة، وإطلاق الألسن المربوطة، والنبش في الملفات الحساسة مثل الفساد، ونهب الثروات العامة، والاستيلاء على المال العام.  وهذا هو الطريق الآمن الذي لا يوقعنا في الدوائر الخبيثة التي لن تقودنا إلا إلى الخنوع والاستكانة والفقر والضعف والصراعات والاضطرابات.

 لقد بات بديهياً أن التنمية الحقيقية مرتبطة بتحقيق التنمية السياسية وإطلاق العملية الديمقراطية التي تعد ضرورة وطنية وقومية. هذه التنمية التي لا تقبل التأجيل إطلاقاً، والتي تضع باعتبارها المحددات الثقافية والاجتماعية التي تشكل المحدد الرئيسي للشخصية الاجتماعية الوطنية والقومية، وأن تكون مهمة التنمية السياسية إعادة الشأن العام للشعب العربي، انطلاقاً من أنه محورها الذي تبدأ به ومنه. وهذه التنمية لا يمكن أن تنجح في تحقيق أهدافها إلا إذا طالت كل أنساق البناء الاجتماعي، وتطوير الواقع العربي الراهن الذي لا يتجاوب مع تطلعات الناس، ولا يستجيب للغايات والأهداف التي ينشدونها، والمتمثلة باستكمال التحرر السياسي وامتلاك السيادة والاقتراب من الوحدة التي تمثل معركة المستقبل العربي على اختلاف مسمياتها.

العدد 1188 - 25/02/2026