الرجل المريض الجديد
يقول الخبراء الاقتصاديون الإيطاليون إن دول منطقة اليورو منقسمة. فبعضها يحوز على القدرة التنافسية لسلعه الصناعية. وبعضها الآخر لا يتمتع بتلك القدرة. لذا لا يمكن الطلب من الاقتصادات القوية مثل الاقتصاد الألماني، تقديم المساعدة، بل يجب خفض كلفة الإنتاج، وإنقاص العجز في موازنات الدول الضعيفة اقتصادياً.
يقوم ماريو دراغي، مدير المصرف المركزي الأوربي، بنشر ما يسمى مظلات الأمان المالية على بعض الدول المتعثرة، مثل اليونان والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا وأخيراً قبرص. وهي التدابير الاحتوائية التي تساعد على تخطي بعض العقبات المالية، ولكنها لا تحل المشاكل الأوربية المالية المعقدة. وهو يعمل على مساعدة الدول المتعثرة التي تنوء تحت ديون مالية هائلة، بواسطة ضمان سنداتها المالية في السوق، وكذلك في إعادة رسملة بعض مصارفها الكبرى.
لم تتضح بعد النتائج الاقتصادية للخطط المالية ومظلات الأمان التي يفرضها المصرف المركزي الأوربي على الدول المتعثرة. إذ إن المفاوضات تدور بسرية تامة وفي غرف مغلقة. وإذا أخذنا الحالة الإيرلندية على سبيل المثال رأينا أن الحكومة الإيرلندية أخذت على عاتقها تسديد ديون المصارف الوطنية المشرفة على الإفلاس. ولكن الإجراءات المالية التي اتخذت نجم عنها سلسلة من التداعيات ما هدد البلد بالانهيار التام. واضطر المصرف المركزي الأوربي للتدخل وذلك بإعطاء قرض كبير، يُسدَّد خلال 25 عاماً.
وهكذا يقوم المصرف الأوربي بدور المُخَلِّص.
يقوم المصرف المركزي الأوربي بتنظيم اجتماعات دورية مع حكام المصارف السيادية الأوربية، الذين لا يبدون راضين عن دور المصرف الجديد بالتدخل في الأمور المالية الداخلية لدولهم. ويعتقدون أن دور المصرف يجب أن يقوم فقط بالدفاع عن قيمة العملة الموحدة (اليورو). في حين يطلب حكام المصارف السيادية في بلاد الأزمة مثل إيرلندا وإسبانيا بتوسيع نطاق المساعدات المالية. كما تطالب دول أخرى مثل فنلندا وبلجيكا وهولندا بالتطبيق الصارم لشروط المساعدات المالية المقدمة إلى البلدان المتعثرة.
يتقدم المصرف المركزي الأوربي بخطوات أخرى، منها السيطرة على المصارف الأوربية الكبرى وتغيير إداراتها في بعض الأحيان، كما حدث لمصرف (سوسييته جنرال) في فرنسا. وقد يمتد نفوذه ليشمل بعض المصارف الصغرى، في غابات بافاريا على سبيل المثال. إن نشاط المصرف المركزي الأوربي قد تعدى نطاق المساعدة، إلى السيطرة على الأسواق المالية الأوربية. ولكن تلك الإجراءات، لا تؤدي إلى الحل الجذري، بل إلى شراء الوقت فقط. إن ذلك العلاج لا يقود إلى شفاء الرجل المريض الجديد (وهو هنا منطقة اليورو).
يقول بعض الخبراء، ومنهم روبرت زوليك مدير المصرف الدولي السابق، إن الأزمات المالية الحادة مثل الأزمة المالية في العالم الرأسمالي تمتد ربما لعشر سنوات. وها قد مضت خمس منها حتى الآن. ولكن من يدري؟ ربما تكون تلك الأزمة بلا نهاية، لأنها تضرب في أعماق النظام الرأسمالي الحالي الذي لا بد من تغييره، وإيجاد البديل الملائم له.
نقلاً عن (السفير)