عمال النفط السوري.. بين فجوة الرواتب ومزاجية التعاقدات

علي شوكت:

في قلب الحقول النفطية السورية، حيث تختلط رائحة النفط بعرق السنين، يعيش آلاف العمال والكوادر الوطنية مأساة إنسانية ومهنية صامتة. تحت شعار (العدل والإنصاف)، تعالت أصوات الموظفين القدامى في الشركة السورية للبترول والشركات المنبثقة عنها، حاملين همومهم لتصل إلى المعنيين بالأمر، في مشهد يعكس صراعاً مريراً بين من حملوا أعباء القطاع في أحلك الظروف، وسياسات جديدة تهدد بتحويل كرامتهم المهنية إلى ورقة مساومة.

في فجوة تهز أسس المهنية وتشكّل مفارقة صادمة، بل ومهينة بحق من أمضوا أعمارهم في خدمة هذا القطاع الحيوي. ففي الوقت الذي يتقاضى فيه موظفون جدد – لا يزالون في طور التدريب – رواتب تصل إلى 450 دولاراً أمريكياً تُصرف في بداية كل شهر، يجد الموظف القديم نفسه أمام واقع لا يليق بخبراته المتراكمة. راتبه لا يتجاوز 120 دولاراً أمريكياً، يُصرف بالليرة السورية المنهارة، وغالباً ما يتأخر صرفه أشهراً. والأكثر إيلاماً أن هؤلاء القدامى هم من يتولون تدريب الوافدين الجدد، ليكتشفوا أن تلميذ الأمس بات يساوي أربعة أضعاف قيمة معلمه!

 

من فجوة الرواتب

إلى صدمة الاستقالة

لكن المشكلة لم تقف عند حدود الفجوة المالية، بل تجاوزتها إلى ما هو أخطر. ففي تطور مثير للقلق، كشفت تصريحات الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول SPC عن نية إبرام عقود جديدة مع العمال التابعين لوزارة النفط السابقة والشركات المتعاقدة، لكن بشرط مذل: أن يقدم العمال استقالاتهم من مؤسساتهم أولاً، ثم يخضعون بعدها لتقييم أداء (لمن يراه مناسباً).

هذا الشرط، الذي قد يبدو للوهلة الأولى إجراءً إدارياً، يحمل في طياته قنابل موقوتة تستهدف مستقبل آلاف الأسر والعاملين.

ما يعنيه هذا القرار بعين العامل البسيط هو الآتي:

أولاً- إلغاء تاريخ نضالي كامل. فالعامل الذي أمضى عشرين عاماً أو أكثر في خدمة القطاع، وتحمّل ظروف الحرب والحصار، يجد نفسه فجأة متساوياً مع خريج جديد، بل وأقل حظاً منه، لأن خبرته لم تعد ورقة رابحة في يد صاحب القرار.

ثانياً- الهشاشة الوظيفية. تحويل الموظفين المثبتين إلى متعاقدين يعني فقدانهم للأمان الوظيفي الذي كافحوا من أجله. يصبح مصيرهم معلقاً على قرار تجديد عقد كل بضعة أشهر، فيتحولون من مواطنين لهم حقوق إلى (عمالة مؤقتة) يمكن الاستغناء عنها بأقل تكلفة.

ثالثاً- إهانة الكرامة المهنية. أن يُطلب من مهندس أو فني بخبرة عشرين عاماً أن يستقيل ثم يتقدم كمتقدم جديد، وكأن سنوات عمره وعطائه لم تكن سوى تمرين على البدء من الصفر، هو ضرب بكل مفاهيم التقدير والاحترام عرض الحائط.

والجانب الأكثر ظلاماً في هذه السياسة هو ما أشار إليه العاملون أنفسهم: (الخضوع لمزاجية رب العمل في الاختيار). فعندما تغيب المعايير الموضوعية الواضحة، وعندما يصير القرار بيد فرد أو لجنة غير خاضعة للمساءلة، فإن الأبواب تفتح على مصراعيها للفساد الإداري والمحسوبيات والواسطة.

في قطاع بهذه الحساسية والاستراتيجية، حيث الكفاءة والخبرة هما رأس المال الحقيقي، فإن تحويل التعيينات إلى (كروت محسوبية) يعني شيئاً واحداً: تدني مستوى الأداء والإنتاج بشكل كارثي. العامل الذي يعلم أن بقاءه في وظيفته مرهون ليس بكفاءته بل بعلاقاته الشخصية، سيتحول همه الأول إلى (إرضاء المسؤول) بدلاً من (إتقان العمل).

ما يطلبه عمال النفط السوري ليس معجزة، بل هو الحد الأدنى من العدالة المهنية والإنسانية. إنهم لا يعترضون على عودة زملائهم أو على استقطاب كفاءات جديدة، بل يطالبون بأن لا يتحقق ذلك على حسابهم هم الذين حملوا القطاع على أكتافهم في أصعب الأوقات.

فمطالبهم بسيطة وواضحة:

  • المساواة في الرواتب بما يتناسب مع الخبرة والمسؤولية، لا أن يكون الجديد أفضل حالاً من القديم.
  • معالجة تأخر صرف الرواتب الذي يرهق كاهل الأسر في ظل الغلاء الفاحش.
  • وضع معايير شفافة وموضوعية لأي تقييم أو تعاقد، بعيداً عن المزاجية والمحسوبيات.
  • الاعتراف بأن سنوات الخدمة والتضحية ليست ورقة يمكن إلغاؤها بقرار إداري.

عندما تباع خبرة السنين بربع ثمن (متدرب)، وعندما تتحول عقود العمل إلى أداة ضغط وابتزاز، وعندما تصبح الكفاءة الوطنية رهينة لِـ(مزاج رب العمل)، فإن القطاع النفطي السوري الذي ناضل العمال للحفاظ عليه سيدفع الثمن الأغلى: فقدان الكفاءات، تفشي الفساد، انهيار الروح المعنوية، وفي النهاية انهيار الإنتاج.

 

إلى وزير الطاقة والمدير التنفيذي للشركة السورية للبترول..

هذا القطاع لا يحتاج إلى (عمالة رخيصة) أو (موالين جدد)، بل يحتاج إلى تكريم من ضحوا وساهموا في بقائه. العدالة ليست منّة، بل هي حق لمن كتبوا بدمائهم وعملهم تاريخ هذا القطاع. فهل من مستمع؟

العدد 1193 - 9/04/2026