الذكاء الاصطناعي والاقتصاد
د. عامر محمد وجيه خربوطلي:
الموجة الجديدة التي تقودها مراكز البيانات الضخمة الداعمة للذكاء الاصطناعي تعيد النظر بالكثير من المفاهيم الاقتصادية والنماذج وحتى التطبيقات الاقتصادية. إنها ثورة في اتخاذ القرارات الاقتصادية مدعومة أساساً بقوة هائلة في تحليل البيانات والمعلومات الضخمة بسرعة لا يقدر عليها العقل البشري بأي شكل من الأشكال.
ما قبل الذكاء الصنعي ليس كما بعد في جميع ميادين الحياة، والاقتصاد في عين العاصفة هذه المرة.
التأثير المتبادل للذكاء الاصطناعي مع الاقتصاد له العديد من المستويات.
فعلى مستوى الاقتصاد الجزئي وأعمال الشركات فإن الذكاء الصنعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل هو محرك جديد للنمو والتجديد والتطوير المتسارع والتنامي الهائل لعالم الأعمال من خلال أوجه عديدة في مقدمتها زيادة الإنتاجية وخفض التكاليف حيث تستخدم الشركات والمؤسسات الذكاء الاصطناعي في أتمتة المهام الروتينية وتحسين سلاسل التوريد والتنبؤ بالصيانة مما يعني إنتاجاً أكبر بتكلفة أقل ووقت توقف أقل وهذا جوهر الاقتصاد أصلاً.
إضافة إلى خلق أسواق ومنتجات جديدة غير معروفة سابقاً ومنها الطلب الهائل على الطاقة من مراكز الذكاء الاصطناعي، يخلق سوقاً جديداً للشركات بسرعة هائلة وبخاصة في مجال الطاقة والمولدات وتنامي شركات البرمجيات التي تنتج أدوات ذكاء اصطناعي جديدة، وشركات السيارات التي تنتج سيارات ذاتية القيادة وجميعها أمثلة مهمة ..
كما يساعد الذكاء الاصطناعي مديري الشركات على فهم كميات هائلة من البيانات “Big Data” لاستخلاص رؤى استراتيجية حول الأسواق والعملاء ومحددات الطلب واتجاهاته المستقبلية بفعل النمذجة والمحاكاة الذكية مما يؤدي إلى قرارات اقتصادية و ادارية أكثر فعالية ونجاحاً.
اما على مستوى الاقتصاد الكلي وهنا مربط الفرس وغاية القول فالتأثير أكثر وضوحاً وبخاصة على نمو الناتج المحلي الإجمالي المصطلح بـ “GDP” فإن العديد من الدراسات تتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي في إضافة تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي حتى نهاية العقد الحالي، من خلال الزيادة الهائلة في الكفاءة الإنتاجية والتشغيلية والتمويلية.
الذكاء الاصطناعي أصبح ببساطة بمثابة محرك نمو جديد غير مسبوق يشبه استخدام الكهرباء أو الإنترنت في القرون والعقود الماضية.
والأهم من ذلك ما يدخل في معادلة النمو الاقتصادي نفسها التي لم تعد تقتصر على تراكم رأس المال رغم أهميته بل على قدرة هذه الاستثمارات بجميع أشكالها سواء الإنتاجية أو الخدمية على تحقيق معدلات عائد داخلي مضاعفة بنفس وحدة رأس المال بفعل استخدام أدوات وتطبيقات الذكاء الصنعي في رفع كفاءة رأس المال مما يضاعف الناتج المحلي بموارد محددة أصلاً وهذا ما يناسب ويحاكي الاقتصاد السوري الحالي الذي يحتاج لحرق المراحل الزمنية لتحقيق معدلات نمو استباقية عالية المستوى لتعويض ما فاته من تقلص وضمور جاوز ٨٠ % عما كان عليه قبل عام ٢٠١١ وفي حال اندماج التقانة والذكاء وريادة الأعمال حينها فقط تستكمل حلقة الكفاءة القصوى التي يطلبها الاقتصاد السوري.
الذكاء الاصطناعي باختصار هو قوة اقتصادية هائلة قد تكون ثنائية الوجه وجه يعد بازدهار وكفاءة غير مسبوقين، ووجه آخر يحمل تحديات جسيمة تتعلق بالبطالة في القطاعات غير التقليدية وأحياناً عدم المساواة بين من يمتلك أدوات هذا الذكاء ومن يفتقدها أو على الأقل غير المندمج بها بالشكل الكافي وهذا ما يميز الدول المتقدمة الناهضة والمتطورة والدول التقليدية التي تحاول النمو بالطرق القديمة المعتمدة على التراكم الرأسمالي وحده.
سورية الجديدة المتجددة لن تنهض بالشكل المطلوب دون دخول برامج وأدوات الذكاء الصنعي وتطبيقاته في التحليل والدراسة والتقييم واتخاذ القرارات الاقتصادية والإدارية الاستراتيجية الفعالة والناجحة على مستوى الشركات وعلى مستوى الاقتصاد الكلي.