موندياليات… العالم كرة
في كتابه الممتع (كرة القدم في الشمس والظل) يروي الكاتب الأوراغواني إدواردو غاليانوِ سيرته مع هذه الساحرة المستديرة، فيقول في استهلال هذا الكتاب الشيق والممتع:
(لقد رغبت مثل جميع الأوراغوانيين في أن أصبح لاعب كرة قدم. وقد كنت ألعب جيداً، كنتُ رائعاً، ولكن في الليل فقط، في أثناء نومي: أما في النهار فأنا أسوأ قدم متخشبة شهدتها ملاعب الأحياء في بلادي.
لقد مرت السنوات، ومع مرور الوقت انتهيت إلى القناعة بهويتي: فأنا مجرد متسول أطلب كرة قدم جيدة. أمضى عبر العالم حاملاً قبعتي، وأتوسل في الاستادات:
لعبة جميلة حباً بالرب!
وعندما أرى كرة قدم جيدة، أحمد هذه المعجزة دون أن يهمني قدر فجلة من و النادي أو البلد الذي قدم ذلك اللعب الجيد).
كتاب غاليانو الرائع يلخص حالة معظم متابعي هذه المستديرة الساحرة، إنهم أسعد من اللاعبين حين يحقق فريقهم فوزاً يشفي غليلهم من هذا الخصم، الخصم الذين يتمنون أن لا تقوم له قائمة.. وأكثر حزناً من حارس مرمى (أكل) مرماه ستة أهداف، يحمّله الجميع مسؤوليتها عندما يخسر فريقهم.
اللعبة التي فجرت حرباً حقيقية بين بلدين جارين من بلدان قارة أمريكا الجنوبية، الموطن الأول للهوس بهذه المستديرة الساحرة هما السلفادور والهندوراس عام 1969.
طبعاً، المثل الشعبي القائل: (القصة مو رمانة القصة قلوب مليانة) ينطبق على كل الحروب التي كثيراً ما تكون ذرائعها واهية، لكن أسبابها الحقيقية والعميقة تبقى طي الكتمان، كما ينطبق على حرب (الطابة) أو حرب الأيام الستة، وهي طبعاً غير هزيمة حزيران التي يطلق عليها البعض هذه التسمية ويسميها آخرون نكسة، وهو اسم دلع للهزيمة النكراء لأنظمة العربية القائمة حينذاك، وقد فوجئت إسرائيل نفسها بالسرعة والسهولة اللتين سقطت بهما المدن والأراضي العربية في يد جيشها، حتى (دوبلت) مساحتها، إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، وذلك في ستة أيام فقط.
حرب (الطابة) أو (الماتش المهبّب) على قول إخوتنا المصريين كلفت البلدين الجارين أكثر من 4000 قتيل، معظمهم مدنيون، و 10 آلاف مشوّه و120 ألف مشرد، فضلاً عن دمار مئات البيوت والمنشآت التي تزيد قيمتها اليوم على ثمانية مليارات دولار.
وكان الإعلام في كلا البلدين اللذين كانت تحكمهما دكتاتوريات عسكرية يطبّل لهذه الحرب ويخوِّن كل من يقف ضدها كما جرت العادة أيضاً.
نعود إلى غاليانو وكلامه.. إذ ليس الكاتب الكبير وحده من كان يلعب مباريات حامية ويحرز الاهداف في منامه، بل يشاركه في هذا الحلم مئات الملايين ممن يهيمون عشقاً بهذه الكرة أكثر من عشقهم للكرة التي يعيشون عليها ويشربون من مائها ويتنفسون هواءها ويأكلون من رزقها رغداً.
وما هذا العنف المرافق للمباريات على المدرجات وخارجها سوى ممارسة لحلم لم يتحقق باللعب وإحراز الأهداف ولو بيد إلهية كيد مارادونا التي أعطت كأس لعالم للأرجنتين وأبكت الإنكليز. بل ما هذه المليارات التي تستثمر وتصرف من جيوب هؤلاء العشاق سوى شكل آخر لممارسة الحلم، حلم اللعب الذي يستعاض عنه بمتعة الفرجة، وهي متعة حقيقية بالمناسبة، ومتعة سهر الليالي لملاحقة المباريات حسب توقيت البرازيل، إذ تجري كثير من المباريات والناس نيام في هذا الشرق النائم لدهور.
ربما كان نفطاً من شكل آخر لشركات التسويق والإعلان والمراهنات والفيفا وغيرها.
موسم مستمر، فما إن يضع المونديال أوزاره ويأخذ اللاعبون إجازاتهم حتى يبدأ الإعداد للمونديال القادم بعد أربع سنوات بتصفيات متدرجة حتى يأتي العرس الكروي العالمي، تتخللها تصفيات قارية وبطولات دوري وكؤوس لا تنتهي تملأ حياة الناس بمنٍّ وسلوى افتراضية جميلة.
أما عن فريق قريتنا الذي كانت له بصمة حقيقية في دوريات كروية كانت تجري بين القرى القريبة على ملاعب ترابية نقوم بتخطيطها بواسطة رماد التنور والمرمى حجران كبيران، أو في أحسن الأحوال خشبتان طويلتان من شجر الحور مع شبك مهترىء أو بلا شبك..
فقد كان لدينا لاعب دفاع لم يلمس الكرة بقدمه يوماً، ولو وضعتَ الكرة أمامه وثبتّها وحاول تسديدها لأخطأتْ قدمُه الكرة وذهبت في الهواء، لكنه كان يشارك في جميع المباريات، والسبب أن الفريق كان يحتاجه لطرافة أحاديثه وحسّ النكتة العالي لديه وأسلوبه الناجع في إضحاك الآخرين مهما كانوا عليه من الجدية والتجهم، لا ليفرفش ويغير جو المباراة المتوتر، بل لإضحاك مهاجمي الفريق الخصم المندفعين نحو مرمانا، فما إن يستلم لاعب منهم الكرة ويطير بها كالغزال باتجاه المرمى، حتى يسارع المدافع العجيب إلى التحدث إليه وهو يلاحقه بأحاديث ونكت وأمثال تناسبه وتجعله يقلب على قفاه من الضحك، فيما تتهادى الكرة أمام مدافعينا الآخرين أو الحارس.
إنها طريقة مبتكرة لم تلحظها قوانين الفيفا وتعليماتها، وربما إذا فكر منتخبنا الوطني بتطبيقها في التصفيات القادمة المؤهلة لكأس العالم لنجح في تحقيق ما عجز عنه في تاريخه وتأهل إلى المونديال القادم، والله من وراء القصد.