الخواء الثقافي

كشفت الأزمات العربية المتنامية والمتفاقمة، أن هناك إلى جانب الخواء السياسي خواء فكرياً وثقافياً، رغم العزف العربي الدائم على وتر التراث العربي الغني، والحضارة العربية الصامدة في وجه العولمة، والغذاء الغني بالأملاح والفيتامينات الحضارية، التي شكلت زوّادة للعالم عامة وأوربا خاصة.

لقد تعددت معاني كلمة (خواء) والمعنى المناسب لعنوان هذا المقال هو (الفضاء بين الأرض والسماء). وخاوٍ على عروشه: مُدمَّر لا حياة فيه بعد هلاك ساكنيه، خرب مهجور. وبمعنى آخر هو الفراغ..

وما يجري الآن في سورية والعراق وغيرهما من تطرّف وإرهاب، أو ما أطلق عليه السيد أوباما صفة (الاعتدال)، هو في الحقيقة عبارة عن عقول تدّعي انتمائها للثقافة الإسلامية، وهي في الواقع بعيدة عن هذه الثقافة بعد الأرض عن السماء. وهي تشكل شُغوراً وفراغاً في عقولهم. ولم نقرأ طيلة ثمانية عقود (تاريخ تنظيم الإخوان المسلمين)، على سبيل المثال القريب، مما يجري الآن في مصر وسورية، رواية لإخواني واحد أو موسيقياً أو فناناً تشكيلياً. فالإبداع في نظرهم عدو لدود للدين. ورأينا كيف دمّر الظلاميون (عباقرة القرن الحادي والعشرين) تماثيل الرموز الثقافية والفكرية والحضارية في أفغانستان والعراق وسورية واليمن.

الخواء هو الفراغ أو الهواء الذي لن يتوقف، بل يكون في حركة دائمة ويتنقل من مكان إلى آخر.

 وهو تفريغ العقول من الفكر والإيديولوجيا والتقدم والإنسانية، وسيطرة الفكر الرجعي المحدود المتكلّس، غير القابل للتجدد والتطور ومواكبة العصر، الذي يحافظ على خلايا جامدة تحجّرت مع الزمن.. هؤلاء غير قابلين للإصلاح وتبديل النموذج الظلامي الذي ساروا عليه، علماً أنهم يستخدمون منجزات ثورة الاتصالات.. وهذا هو السؤال.. وبين هؤلاء فيزيائيون وكيميائيون ورياضيون.. لكنهم يرون الحياة بعين واحدة مفتوحة فقط لتحديد أهدافهم في القتل والتدمير والتفجير.. ويغمضون العين الثانية للتأمل في ظلمة التخييل والتفكير والأمل، بفرحة تحقيق الأهداف والانتصار وبناء الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام. فهؤلاء لا دين لهم ولا إيديولوجيا ولا فكر. (ويبقى الخواء الفكري والترويع قاسماً مشتركاً بين كل أشكال التطرف والإرهاب). وفي الوقت نفسه فهم عبارة عن أحجار شطرنج تلعب بهم الولايات المتحدة الأمريكية والغرب ضمن مخططات مرسومة. وهناك مقولة تقول: (الغرب ليسوا عباقرة ونحن أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح ونحن نحارب الناجح حتى يفشل).

الخواء الفكري والسياسي والروحي والثقافي والأخلاقي لم يأتِ من لا شيء، بل هناك عوامل تحفّزه للاندفاع والخروج بعد التكبير، كالفطر بعد حدوث الرعد. ومن هذه العوامل:

أولاً- العداء المضمر والعلني بين المثقفين في المؤسسات الثقافية، والتنافس السلبي لتحقيق المكاسب والولاءات لتحقيق الامتيازات، واللجوء إلى أحقر الأساليب لتشويه الآخر، وكيل الاتهامات وتقديم خدمات الوشايات للمتنفذين. فهذا هو (المثقف) الانتهازي الوصولي التافه.

ثانياً – بعض المثقفين ومن يدعون أنهم مثقفون يرون الاستبداديين قدوة لهم. وعلى هذا الأساس فهم استبداديون في أسرهم، ويحرمون التحدث بلغة الحوار مع أبنائهم! هذه اللغة التي أصبحت لغة العصر لكنها تحتاج إلى ثقافة الحوار، فيجب أن تكون حاضرة بقوة  في ظل الانفتاح الثقافي.

ثالثاً – سلوك الطُّرق التي تنحرف عن الخط المستقيم، وعدم اللجوء إلى ترك الأبواب مواربة، والسماح للمبادئ النظيفة، المتحررة من أوساخ التكفيريين بالدخول، سواء روّجها أفراد أو جماعات.

رابعاً- رفض كلّي للشعارات البرّاقة الفارغة من مضمونها الإنساني الديمقراطي التقدمي، التي روَّضت الجماهير العربية منذ نصف قرن، واليوم لم تعد صالحة لرفعها في الشارع السياسي العربي في زمن التغيرات، فهي جدار عائق أمام دخول النسائم الخالية من غبار الظلاميين.

العدد 1195 - 23/04/2026