كرة القدم أم لعبة الأمم؟..
على استحياء هذه المرة، وربما بقليل من الشغف تهفو قلوب المشجعين إلى مونديال العالم في البرازيل، تخطف عيونهم كرة تجري بين أقدام اللاعبين، ترسم مصائر، ترسم ضحكات، وربما تنتهي بغصّات موجعة. هو موسم متكرر ومنتظر، من قال إنها مجرد قطعة قماش لا تنتهي بأهداف جميلة في حروبها الأخرى حيث لا دماء تجري ولا غبار معارك يعبق في الأجواء، إنها أشرف الحروب، كما وصفها يوماً الشاعر محمود درويش، لا لشيء بل لأنها تسجل أهدافاً نظيفة وترفع كأساً تغنمه أقدام اللاعبين وعقولهم، وتباركه أفئدة مشجعيهم، إنها الرياضة، في زمن مضى كانت مالئة الدنيا وشاغلة الناس، واليوم ثمة حروب أخرى أقل عدالة وأهدافها تخترق الشباك بكرة النار المتدحرجة، ونهاياتها التراجيدية (خرائط جديدة) وشتّان ما بين كرة النار وتلك الكرة، شتان ما بين أقدام وعقول تتوسل اللعب كلٌّ على طريقته.
فمتى يسجل الإنسان بالعقل أهدافاً نظيفة ولا يسجل بالرؤوس المقطوعة والأجساد المبتورة أهدافاً دامية؟ ومتى نركض في الأخضر الفاتن ومساحاته البهية، لا في حقول النار التي تأكل قلوبنا قبل عقولنا؟
العالم ساحة لعب كثر اللاعبون فيها، ثمة من يركض فحسب، وآخرون يسجلون وترفع النتائج أملاً بأن يلعب العالم غير لعبة النار والدم، وأملاً مرة أخرى أن تهز الشباك أقدام عاشقة تركض في غير مساحاتٍ فتُبهج جمهورها، لا غيرها من تركض في بلاد أخرى لا شأن لها بها.
إذ لا بطاقات حمراء تُرفع ولا صافرة حكم تُطلق، ما شأن الرياضة بالسياسة، بل ما شأنها بدراما اللعب، إذا ما ذهبنا إليها لننتبه أن أقدارها هي أفراحنا المؤجلة، وأنّ ما ترسمه على الأرض سيعني فوز الموهوبين لا ارتكابات الجاهلين. هي أشرف الحروب إذاً، هكذا هي رؤية شاعر، لكنها حين مقارنتها بما ينقضها، قد تصبح هامشاً ما أكثر استدعاءً للتأويل بسواها من معارك لا تبقي الجمهور وحيداً على المدرجات، أو في مقاهي الفُرجة أو في البيوت الغافية، من يسجل أولاً، ولا يدحرج رأساً غضة في ملاعب مفتوحة؟
ومن يهز الشباك حقاً دون أن يثلم قلوباً عاشقةً منذ بدئها؟ من يرفع نخب نصر ولا يشي بخسارة الجميع؟
ليست كرة ثلجٍ هي، تقول رواية العالم، إنها كرة من شغفٍ ملونٍ يرسم خط أفق الفرح، وينهض بالمتعبين من رقدتهم، ويُلهب الأكف ويُطلق آلاف الصرخات لمن ومن!.
في لعبة الأمم لا عزاء للربح ولا عزاء للخسارة، ما دام الكل في المرمى والجمهور افتراضياً بالضرورة، وفي لعبة الأمم ثمة كأس في اللعبة الأخيرة، من سيرفعه إذن؟.
في الرياضة يقولون إننا نصنع أهدافاً نظيفة، وفي الحروب لا أهداف سوى العبث في الخريطة، لنرفع إذاً نخب كل الأفراح المؤجلة، ولنركض في الحقول الخضراء علّ كرة يصنعها أطفال الأحياء والحارات، نشاطرهم بها اللعب ونضحك لفوزهم، ولنجعل الكأس على طبق من حلم، ولنحتفِ بمن يسجل أولاً في مرمى قلوبنا فرحاً لا يتأخر عن موعده كثيراً.
حال كرة القدم… حال لعبة الأمم، حال كل الأهداف التي لن تبقى في المرمى، وربما تجتاح ما بعد أخضر الوقت إلى القاني من الوقت، إذ المقارنة هنا ناجزة بالضرورة، لأن المدرجات التي هُجرت قسراً أصبحت ملاعب أخرى، واللاعبون (كباراً أم صغاراً) لم يعد بوسعهم ابتكار بذلاتهم الموحدة، فثمة من لا ينتمي، وآخر ما زال يغير في الخريطة حتى كاد أن يذهبها هباءً.
ولنقل أخيراً إنها – الرياضة – أشرف الحروب، وإنها – السياسة- آخر الحروب، فمن منهما يا ترى يُسجل في قلوبنا أهداف الحياة؟ حقاً إن في الرياضة حياة.