بالمقلوب
يا له من مشهد سريا/واقعي!
شكّله الدمار، من ركام الأسقف والجدران، مختلطاً بأعضاء الأواني، من كاسات وصحون ومشربيات و..، مُهشّرة بأوتار الآلات الموسيقية، من أعواد وكمنجات ونايات، وموشّاة بالألوان الطازجة، لنزيف دماء ذبيح هنا ودفق جرح شجرة هناك.من على أكبر كتلة إسمنتية مسلحة، ووسط حطام بيته، راح أبو زرياب (خليل شعبان) يستعرض ما سبق أن عرفه، على مدار عمره – الذي ما عاد يرجو له أن يطول – من جرائم الإنسان في حق أخيه:
ما وقف عليها بنفسه..
ما وصلته بالتناقل كابراً عن كابر..
وما تلقاها بوساطة الكتب ووسائل الإعلام. بدءاً بأول جريمة مدوّنة، ارتكبت على كوكبنا، على يديّ قابيل، إلى حصار غزة ومذابحها – وبضمنها رمي الطفل محمد الدرة في حضن والده، رغم استغاثتهما على مرأى من تعامي العالم، عيناً وقلباً – على أيدي الصهاينة!
قلّبها العم شعبان، جميعاً، في فكره.. جالها من كل جوانبها في خاطره. فلم يعثر فيها – على فظاعتها – على ما يماثل ما ارتكبه الإرهابيون الجدد مؤخراً، باسم الله والدين، من غرائب أساليب التنكيل والتمثيل بالمواطنين السوريين، أحياءً وأمواتاً، في الحرب، المتعددة الجنسيات والأسباب والأهداف، على وطنه سورية!.
مع كل هذا (ما زال الجرّ ع الحبّار) قاصداً: (الحبل ع الجرار). قال شعبان عبارته السابقة، مُخاطباً نفسه، على عادته، في محاكاة الواقع بالكلام. في إيقاف الفعل على رأسه، وقلب الجملة على قفاها بين مقطع وآخر. محتفظاً منهما بموسيقاهما، التي تشي بالوجه والوضع الأصلي لهما. ما أمسى معروفاً عنه، لدى سائر (الشعابنة) وسواهم من أقارب وأباعد، ومنهم مَنْ صاروا يقلّدونه، فيزوّقون أحاديثهم، ببعض المقلوبات مثل: (يدّ بالعصفور ولا شجرة ع العشرة) مقلوب(عصفور باليد ولا عشرة ع الشجرة)..
(طرّاب الزيّ لا يحيي) مقلوب (زمّار الحيّ لا يُطرب)..
(قاعدوه على التحايل) مقلوب (أحالوه على التقاعد)
(فاعس خيط) مقلوب (فاعل خير)..
سيحتفظ القدر، على صفحة أحد ألبوماته، بصورة ونبض تلك اللوحة، في ذلك الصباح، من صباحات قرية السمرا السورية. حيثي اختلطت أهداب الشمس الذهبية، ببياض شاربي العم خليل ولحيته. لتجفّف تلك الدمعات العصيّة النادرة، التي هطلت غصباً، لدى سقوط نظره، على اخضرار برعمٍ، بين الركام، تفتق عن جذر يابس. ما أعاد على أسماعه، معزوفة أصوات أفراد أسرته، الذين قطّع (ممثلو الله على الأرض) حناجرهم – مع ما قطّعوا، من حناجر أهل القرية – غير مُبقين منهم على وتر حنجرة أو برعم، يحمل لون صوت أبيه!