أولاً وآخٍراً
لأنها امرأة حَرُوك، ولكل من حركاتها، مثلما لكل مساحة من جسدها، خصوصيتها من خلب الأنوثة وفتن الجمال. (حَركشتُها) قائلاً:
إذا كانت الكلمات كالنساء يا غاليتي، لكل نصيبها من الصفات، فإن (الحركة) وسائر مفردات أُسرتها هي من أكثر الكلمات، شهرة وحضوراً بين الناس، وجاذبية لهم على تباين الأعمار والأحوال.
وبحركة من يسراها، وحده الرّب يعلم، كم أوقعت في يسار صدري من قتلى النبض وجرحاه، حين رفعت ذراعها، لتولج أصابع كفّها في عباب شعرها، ومياسم إبطها في شغاف مشاعري. عاجلتني قائلة: وراء نظراتك وكلماتك، ما وراءها، كلّي آذان عاشقة.. تفضل هات ما عندك؟
فامتثلت لدعوة طفلتي الكبيرة وشردت سارداً:
مما لا تنساه ذاكرة طفولتي، في القرية، قول والدي لي زاجراً، كلما أعملت يدي بنار الموقد، ويا ما أعملتها: (لا تحركش النار يا ولد.. بتنطفي!)
غير خافٍ على القرويين، (صغار الأمس وكبار اليوم) ما للعب بالنار، حطباً مُشتعلاً كان أم جمراً ملتهباً. من طقوسية محبَّذة لفاعلها، حتى لو حرق أصابعه.. وغير خافٍ ولا مُلتبس عليهم أيضاً، ما تُعنيه (الحركشة) للصغار وللكبار، قرويين ومدينيين، من استلطاف للعبث واستكشاف للمجهول، بقصد أو من دونه.
مثلما كان وما زال لقريتنا – كغيرها من القرى والأماكن – مُحركشوها، الذين عرفناهم وعرّفناهم. بإضافة كلمة (محراك شر) لاسم كلٍّ منهم، ك (وفيق.. مزعل.. مشهور.. و..) الذين ما زالوا أحياء يحركشون. كذلك كان وما زال لقريتنا مُصلحوها، الذين عرفناهم وعرّفناهم بإضافة (مِصلاح خير) إلى اسم كلٍّ منهم. كالسابقين إلى رحمته تعالى: (أبو أحمد.. أبو حسن.. أبو سمير.. و..).
لقد حفلت الماركسية وغيرها من النظريات، بتوصيف الأفعال المتعلقة بتحول البنى الفوقية في المجتمعات (اقتصادية.. سياسية.. ثقافية وسواها). وشرحت المعاجم والقواميس معاني وتعاريف فعل (حرك) و(حركش) ومشتقاتهما. وورد في نصوص الأديان وتنبؤات الفلكيين واستشراف العارفين، ما يشير، بشكل أو بآخر، إلى ما ينطوي عليه مستقبل البشرية، من سقوط عروش وزوال عهود وحلول كوارث. غير أن لا هذه ولا تلك ولا هاتيك، توقعت ما شهدته سورية، على سُعار أربع سنوات، مما يُعجز اللغة وصفه والحواس تحمُّله، من سلبية وسفالة ودونيّة أفعال الحركة، التي استجرّها تواطؤ ملوك ورؤساء وتكالب مجرمين وشذّاذ وخيانة أبناء وأشقّاء.
قد يتشابه يومنا هذا في كابوسية واقعيته وأسطورية فظائعه مع أحد أيامنا، في الأمس القريب أو البعيد.. قد يُحاكي فعل ما من حثالة أفعال الحركة، في تغوّلية دمويته، هذه السنة، قريناً له من الأفعال المرتكبة، في سنة أو أُخرى خَلَتْ.. وقد يتقارب (مُحركش) أو (محراك شر) في حارة ما، مع سميّه في حارة أُخرى. من القرية ذاتها، أو من قرية ثانية، في الوقت ذاته، أو في أوقات ماضية..
لكن هيهات أن تُداني حركشة طفل بريئة، في نار موقد ينشر الدفء في بيت ما، ويجدُ الطفل مَنْ ينهاه ويزجره، علماً أن أضرار حركشته، لم تكن لتتجاوز، إطفاء موقد، سرعان ما يُعاد إيقاده. أو حركشة (محراك شر) في حارة أو قرية، يطيب له أن يتسلّى بزرع خلاف بين صغيرَيْن أو كبيرَيْن، كثيراً ما ينتهي إلى مصالحتهما. وإن لم يفعل، فسيبقى الخلاف – إن بقي – محصوراً بين اثنين ليس غير.
.. هيهات يا سيدتي، أن تُداني حركشة هذا أو ذاك، في لا معقوليتها ولا سابقيتها، في دنيا الإنسان وعالم الحيوان، حركشة طغاة وجلاوزة، يتسنمون قيادة دول كبرى، يعبثون عن سابق تصميم وقصد وعدوانية وتخطيط، بصمام أمان سلام بشرية، باختلاله واعتلاله – كي لا نقول بانفجاره – سيختل توزان حياة شعوب، وتعتل سلامة وجود أمم!
.. وتهب نُسيمات مساء تموزية، مُحركشة وجوم جلستنا. فترقّص غُرّة غاليتي، على سماء جبينها، فتُضرم فيَّ، لواعج فؤاد، تتجاذبه آهات وجع، من حبٍّ وحزن وحرب..
لكن سيبقى الحب أولاً – قال قلبي.
وسيكون الحب آخِراً – قالت عيناها!