كفانا ذرائع لقتلنا أكثر
لطالما سعى الإنسان للعيش في وضع اقتصادي مريح يلبي له كل احتياجات معيشته واستقراره، وكما هو بديهي أن الإنسان الذي يعيش مطمئناً لأنه لبى أهم احتياجات بقائه على قيد الحياة، سوف يسعى للتطور بخوضه غمار تجارب عديدة في مختلف مناحي الحياة.
أمّا وأن يبقى همّه الوحيد السعي لتأمين لقمةٍ يسد بها الجوع هو وأبناؤه، أو غطاءٍ يقيه صقيع بردٍ قارس، أو نقطة ماءٍ يروي بها عطشه في حرٍ لاذع، أو فرصة عملٍ تبعده عن شرّ الحاجة للغير، فإنه بذلك لن يتمكن من التفكير بأمورٍ أخرى على الرغم من أهميتها، لأنها ستصبح بالنسبة له نوعاً من الترف والبذخ غير اللاّزمَيْنِ أبداً.
هو ذا حال أي فردٍ في بلدنا، فبالرغم من هول الحرب المستعرة والمتواصلة والتي لم تبقِ على شيء، تأتينا حكوماتنا (الموقرة) لتقضي على ما تبقى حيّاً فينا، ذلك بأن رفع سعر رغيف الخبز الذي يُعدُّ الغذاء الرئيس للإنسان وتخفيض عدد الأرغفة في الربطة الواحدة، إضافةً إلى رداءة نوعية الطحين المُستخدَم- هذا إن كان طحيناً أصلاً-، والغلاء الفاحش المترافق بارتفاعٍ متزايدٍ للأسعار يجري التصريح عن أنه سيزداد خمسين بالمئة في شهر أيار المقبل عما هو عليه اليوم، وانقطاع التيار الكهربائي بطريقة جنونية وربما متعمّدة، لأن مجيئها المتقطع أدى لتعطيل معظم الأجهزة الكهربائية في أيّ منزل، فضلاً عن مشكلة المياه المزمنة التي تُعتبر بحدّ ذاتها حرباً من نوعٍ آخر في محافظاتٍ عدة حتى قبل أن يستولي المسلحون على مياه عين الفيجة الدمشقي، لأن الحياة ارتبطت منذ التكوين بالمياه دون غيرها، فما معنى أن تبقى منطقةً بأكملها دون مياه لمدة عامٍ كاملٍ مثلاً، ويُترك أهلها يعانون الأمرين للحصول على ما يبقيهم أحياءً؟،
إضافةً إلى التلاعب اليومي بأسعار الأدوية إن وجدت، ليُضاف إلى كل هذا ارتفاع رسوم التسجيل الجامعي سواء الحكومي أو الخاص، وزيادة الضرائب على فواتير المياه والكهرباء بحججٍ مختلفة كإعادة الإعمار أو…..، كل هذا وغيره الكثير يُعدُّ صوراً من حياتنا اليومية التي باتت لا تُطاق ولا تُحتمل، لاسيما أن المبررات التي تقدمها الحكومات المتعاقبة لم تعد تُقنع حتى الصغار منّا،
مع علمنا وقبولنا بأن واقع الحرب يفرض نمطاً من الحياة غير ما هو عليه أيام السلم، وقبلناه وتعايشنا ولا نزال معه، بدليل أن المواطن السوري بات مُطبّقاً للقول الشائع (الحاجة أم الاختراع)، فبحكم الحاجات المتعددة باتت الاختراعات أيضاً متعددة، وهو يتعامل معها من باب الضحك والتباهي بالقدرة على العيش في أيّ ظرف سيئ يتعرّض له، إنما ما كنا نطمح له ولا نزال، هو أن تكون لدينا حكومة أزمة حقيقة، من واجبها أن تُقرّ القرارات التي تصون مواطنها في مثل هذه الظروف، أسوةً بباقي الدول التي تحترم مواطنيها وتعتبرهم همّها الأول، لا أن تكون حكوماتنا المتلاحقة هي والزمن والحرب علينا، فما ذنبنا إن ارتفع سعر صرف الدولار، وهذا من بديهيات الحرب، لندفع نحن ثمن هذا الارتفاع على كل المستويات؟؟؟ حتى أمسى النفس الذي نتنفسه مُقاساً بالدولار!!!
ما هي الجريمة التي ارتكبناها بحق بلدنا وحكوماتنا ليعاقبونا بهذا الشكل حتى وصلنا إلى مرحلةٍ بتنا نخشى المرض لأننا لا نملك ثمن الدواء أو أجرة معاينة الطبيب مثلاً؟
لسنا نحن من أدى لتفشي البطالة ورمي خيرة الشباب في براثن المخدرات والدعارة والقتل… باتت جريمة القتل بدافع الجوع أسهل من تناول كوب ماء!!!… بات الطلاق وتفكيك أسرة بأكملها ورميها في مهب الريح أسهل ألف مرة من الحصول على ليتر من المازوت للتدفئة شتاءً!! صار التوجّه نحو أيما عمل يسدُّ جوعاً حتى ولو كان السرقة أو الدعارة أفضل من التوجّه للتعليم ونيل الشهادات التي لم تعد تعني شيئاً!!
يكفي أيتها الحكومات المتعاقبة استخدام الحرب ذريعةً لقتلنا بأسلوبٍ أبشع مما تفعله الحرب ذاتها…فنحن بشرٌ لنا طاقة على التحمل، إن انفجرت هذه الطاقة أو القدرة ستودي بالمجتمع برمته، وما تلك المسلكيات المنتهجة مؤخراً والبعيدة كل البعد عن منظومة قيمنا الأخلاقية والمجتمعية إلاّ بوادر لهذا الانفجار… فهلا جربتم أيها المعنيون ولو لمرةٍ واحدة إيقاف الخراب الجاري؟ أم أن استثماراتكم ومصالحكم لم تحقق بعد ما تصبون إليه؟؟