أربعة وجوه في مرآة الأزمة السورية
شهد تاريخ البشرية أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية كثيرة ومعقدة، لكنَّ الأزمة السورية لا مثيل لها، بأبعادها المحلية والإقليمية والدولية وتعدد وجوهها وأهدافها وإفرازاتها، وفي جميع التوصيفات والدراسات والأبحاث التي أحاطت بها، ونقَّبت في جسدها وفي إحداثياتها.
لقد أصبحت أزمة عابرة للدول والقارات، وبدأت آثارها تظهر على أرض الواقع دون تكهنات وحسابات خاطئة في معظمها.
سنوات أربع .. وبعد أيام ستضع الأزمة قدميها على عتبة السنة الخامسة، وما يزال الضباب الرمادي يمتص الدخان الأبيض. ولم ينجز الحل السياسي رغم ظهور مقدمات مطمئنة.. وبين فترة وأخرى يتقدم أمل السلام خطوة، لكن يبدو أن الطريق إلى طاولة الحوار أكثر وعورة مما نتصور.
ومنذ آذار 2011 أثناء انعقاد المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي السوري الموحد بدأت الأزمة، ولم تتوقف في آذار 2015. وقد انتهت السنوات الأربع . ومنذ البداية حدد حزبنا موقفه مما يجري من النواحي السياسية والاقتصادية وانعكاسها على سورية عامة، وعلى المواطنين بشكل خاص. وبيّن الأسباب القريبة والبعيدة، الداخلية والخارجية، التي تضافرت وأدت إلى تفاقم الأزمة واستمرارها. ويرى حزبنا أن سوء الأوضاع الاقتصادية، وانسحاب الدولة تدريجياً من دورها الاجتماعي، وافتقار البلاد إلى الحياة الديمقراطية السليمة.. وإفساح المجال للتيارات السلفية بممارسة حراك واسع وغيرها من الأسباب، قد مهَّدت وسهّلت الطريق لإجهاض الحراك الشعبي وحرفه عن مساره السلمي.
وتجمَّعت خلال السنوات الأربع النتائج المأساوية كحصيلة طبيعية لأحداث نمت وتطوّرت وتشعّبت وتصاعدت بيانياً، ويبدو أنها لن تتوقف بهذه البساطة. وانعكست سلباً على مستوى الفرد والأسرة والجماعة وملايين المواطنين، وخاصة ما قامت به المجموعات المسلحة الإرهابية من تخريب وتدمير للبنية التحتية، واستغلال تجار الحروب والأزمات وحيتان الفساد والنهب لما يجري، وتفشي الفساد في جميع مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع الأسعار الجنوني، وأدى كل ذلك إلى تدهور الحياة المعيشية للمواطن، وعدم القدرة على تأمين متطلبات الحياة اليومية. إضافة إلى أن الأزمة فتحت الباب الواسع للهجرة، خاصة هجرة الشباب والأطباء والمهندسين وأطياف واسعة من المجتمع السوري، وشكّلت هجرة الأموال خارج سورية وأصحابها من صناعيين وفنيين وعمال مهرة أكبر الأضرار للاقتصاد السوري.
وكان للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الدور الأول في التخريب، ودعم الجماعات المسلحة السلفية والتكفيرية والظلامية وما أطلقت عليه اسم (التنظيمات المسلحة المعتدلة) بمئات الملايين من الدولارات، ومثلها من السعودية وقطر وبعض دول الخليج. وأصبح معروفاً محلياً وإقليمياً ودولياً أن للولايات المتحدة أكثر من وجه، وأنها تكيل سياستها دائماً بمكيالين، لكنها لم تحقق مآربها في تفتيت الدولة السورية وتقسيمها إثنياً وطائفياً، بفعل صمود الشعب السورية ووحدته.
ورغم الخلل في بعض المواقع والهَنَات والثغرات التي حدثت، لكن قوة الجيش السوري الباسل، والتضحيات الكبيرة التي قدّمها، وصموده طيلة هذه السنين، ووقوف الشعب إلى جانبه، شكَّل سنداً داعماً ومؤازراً أفشل التدخل الخارجي، والمشاريع والمخططات بهدف تحقيق مشروع شرق أوسط جديد.
أكّد حزبنا أن المخرج من الأزمة لا يمكن أن يكون إلاّ سياسياً، وأن الحل السوري هو حل داخلي في الأساس. وأن الولايات المتحدة لم تعد الدولة العظمى الوحيدة، فقد ظهرت روسيا والصين ودول أخرى منافسة لها. وشكل الدعم الروسي – الإيراني، وأصدقاء آخرين في المنطقة والعالم للحكومة السورية والشعب السوري، أحد الموانع التي وقفت بوجه الزحف الإمبريالي الى الشرق الأوسط، إضافة إلى الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وما تركته من آثار سلبية منذ عام 2008 على اقتصادات الدول الغربية، وتؤكد الأزمة ميدانياً أن الحل العسكري حل غير مُجد وغير واقعي. وأن جوهر سياسة حزبنا قامت على أن الأوضاع الداخلية في سورية تشكل معادلة ثلاثية الجوانب (القضية الوطنية، والقضية الاقتصادية والاجتماعية، والقضية الديمقراطية). وإن الحزب الشيوعي السوري الموحد ناضل ويناضل اليوم من أجل:
1 – الوقوف بحزم ضد أي شكل من أشكال العدوان أو التدخل الخارجي.
2 – وقف العنف وسفك الدماء.
3 – تطبيق أحكام الدستور والقوانين الإصلاحية الأخرى.
4 -إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، ومعتقلي الرأي.
5 – اتخاذ تدابير جدية لمحاسبة الفاسدين واستئصال الفساد من جذوره.
6 – معالجة النتائج الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الأزمة بما يحقق مصلحة الاقتصاد الوطني، وحاجات الجماهير الملحة واليومية في آن.
7 – الإسراع في معالجة أوضاع المهجرين والنازحين.
8 – التوجه نحو عقد مؤتمر حوار وطني حقيقي شامل يضم جميع أطياف المجتمع.
لقد أثبتت السنوات الأربع بتعدد وجوهها ونتائجها وما خلفته لعقود قادمة من آلام وأوجاع وتشرّد وتداخلات ديمغرافية واستفزازات طائفية وغيرها، أثبتت أن فرص الحل السياسي ماتزال قائمة.. وأن تغيرات إيجابية قد حصلت إقليمياً ودولياً بعد أن دوّى صوت الإرهابيين في عديد من دول العالم.