إنهم يدمرون إشعاعات الضوء

سائراً على خطا (هولاكو)، القائد الذي لم يعرف يوماً الرحمة، وكانت عقيدته سفك الدماء والقتل والحرق والدمار، وكان من أعماله احتلال بغداد وتحويلها  من جنة خضراء إلى أرض يباب، جاء أبو بكر البغدادي وتنظيمه الإرهابي الذي أطلق عليه زوراً اسم (الدولة الإسلامية)، ليبدأ من حيث انتهى هولاكو، ويعمل جاهداً مع أتباعه الذين لمَّ شتاتهم من أراضٍ وجنسياتٍ مختلفة على منافسة أستاذه في إرهاب أعدائهما بالدمار، ومحو ثقافة أي شعب أو سكان أي منطقة عارضت فكرهما وعقيدتهما الدموية.

وتزامنًا مع الذكرى الـ757 لسقوط بغداد على يد المغول، وتدميرها وقتل أهلها، قرر زعيم إرهاب العصر الحديث أبوبكر البغدادي إحياء ذكرى معلمه بحرق آلاف من أمهات الكتب والمخطوطات، وتدمير متحف الموصل وتحطيم مقتنياته التي يعد بعضها من التراث الإنساني، ومزارات تراثية عدة في المدينة التي تعد من الأقدم في الشرق الأوسط. الأمر الذي يعدّ عملية محو ممنهج لهوية المنطقة وفرض هوية خارجية عليها بذريعة دينية.

تُعرف هوية الشعوب عن طريق تراثها الفني والثقافي والمعماري، فهو الوحيد الذي يعبّر عن تفكيرها ورؤياها ونظرتها للأمور وطريقة معالجة مشاكلها وتحديد أسس التفاهم فيما بينها وبين محيطها، فالأمثال الشعبية والحكايات والقصص والألغاز والحِكم هي الابن الشرعي لهذه الشعوب التي عبّرت عن ثقافتها بالمنحوتات والإنتاج العلمي والأدبي والفني، وبقيت إلى الآن معبّرة عن رؤيتها لذاتها وللعالم من حولها، وروح شعب ما نراها واضحة في تراثه الذي هو المحرك لمشاعره وأحاسيسه. وعلى هذا الأساس توّجهت الحركات القومية والتنظيمات السياسية للبحث عن كثير من المشتركات بين أفراد مجتمعاتها، فوجدت أن التراث هو الجامع الأكبر لهذه المشاعر، ففيه التاريخ، وفيه الثقافة الجمعية، وفيه تطلعات أفراده نحو غد أفضل، فاستعملته في أدبياتها، أو أعادت قراءته حسب إيمانها، متمثلة به لما فيه من بقاء وديمومة ورغبة جاذبة للمشاعر، ولم ينس هؤلاء المنظرون أن يجمّلوا التراث ويضعوه في الأطر التي تجعله وسيلة من وسائل البناء المستقبلي المتطور لثقافة الأفراد ولعلاقاتهم المتداخلة.

مما لا شك فيه أن هوية أي شعب مستمدة من تأريخه وتراثه، والبحث في التراث يبين الوشائج التي تجمع أفراد هذا الشعب، وبالتالي تؤدي إلى قوته من خلال تماسكه وإصراره على تطوير هذا التماسك وتقويته… لهذا نرى أن الشعوب التي رضخت للاستعمار على مدى قرون من الزمان قد بدأت هويتها ولغتها وتراثها بالتلاشي بفعل منظم من قبل محتل وضع في أولياته إعادة نشر تراثه ولغته، وما جرى في بلدان مختلفة من العالم دليل واضح على ذلك.

كانت الحروب ومازالت من أكثر الوسائل التدميرية للحضارة عموماً، وللتراث الإنساني خصوصاً، بما فيه من مفردات التراث الشعبي، لهذا سجلت لنا صفحات التاريخ أمثلة كثيرة دمر فيها المنتصر كل الرموز الحضارية والتراثية للشعب المهزوم، فمن طروادة إلى قرطاجنة مروراً ببابل، وأخيراً تدمير بغداد على يد المغول عام 1258م، وما جرى في الحرب العالمية الثانية من تدمير لكل البنى والمرتكزات الشعبية في أوربا إبان المد النازي، وما يجري في فلسطين من تدمير منظم وشامل لكل القيم الشعبية والمفاهيم التراثية التي تدل على أصالة الشعب العربي في فلسطين وعمق انتمائه إلى أرضه، لتحقيق الحلم الصهيوني المزعوم في فلسطين. ومازال هذا التدمير للموروث التاريخي والتراث الحضاري جارياً في الوقت الحاضر جنباً إلى جنب مع هبوب عواصف (الخريف العربي)، ورأينا كيف عملت مجموعات ادعت أنها ثورية وبشكل منظم على سرقة آثار المنطقة، وتدمير المواقع الأثرية والتاريخية، ونهب مخطوطاتها، وطمس كل الجوانب المضيئة في تراث شعوبها المتجذر في هذه المنطقة منذ فجر التاريخ حتى هذه اللحظة. الأمر الذي يدعو إلى التساؤل عن القوة صاحبة المصلحة الأولى في سلب هوية المنطقة التي تعمل على مسح تراثها وتدميره.

إن القضاء على التنوع الثقافي في أي مجتمع، وفرض هوية ما عليه بالقوة، هو الخطوة الأولى نحو تأسيس نظام قمعي دموي قد يدخل سكان هذه المنطقة والعالم في دوامة من العنف الأعمى تكون نتيجته تدميرها عن بكرة أبيها، ولنا في الحركات النازية والفاشية والعسكرية المتطرفة في منتصف القرن المنصرم خير دليل على ما جلبت على أوطانها من كوارث ومآس.

إن مواجهة الإرهاب التكفيري يعد المهمة الأكثر إلحاحاً لا لدحر الفكر الإقصائي فحسب،بل للحفاظ على تراثنا..ومثلنا..وتاريخنا..وأوابدنا.

العدد 1195 - 23/04/2026