الخبز والطبابة والضمان الاجتماعي.. خط أحمر
يعود الحديث بين فينة وأخرى عن إلغاء الدعم وتخفيض الميزات النسبية التي يستفيد منها المواطن السوري، سواء في دعم المواد الغذائية وعلى رأسها الخبز، أو الخدمات الطبية شبه المجانية، إضافة إلى الحديث عن تخفيض نسب الضمان الاجتماعي لصالح الأغنياء، مع الإشارة إلى أن الدعم على اختلاف أنواعه يصل المواطن المستحق بالحدود الدنيا من حقوقه فقط، على الرغم من أنه يهدف إلى مساعدة الفقراء والطبقات الكادحة ودعم قدراتهم الشرائية، وتعزيز صمودهم وتمسكهم بوطنهم. ولكن، بدل أن نكافئ الشعب على صموده ونعزز مواقفه بخطوات إيجابية، يسعى البعض لرفع الدعم بأشكاله المختلفة، وذلك استجابة لطروح من الداخل والخارج، متناسين الدور الرعائي والاجتماعي للحكومة لصالح الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وكأن معاناة هذه الفئات لم تكفهم، بعد أن تحول اقتصاد السوق الاجتماعي إلى اقتصاد تتحكم فيه الأقلية الثرية ويخدم مصالحها. وهنا نذكر جميع المنادين بإلغاء الدعم بأن سياسة الدعم الاجتماعي للفئات الفقيرة والمتوسطة هي حجر الأساس في النهج الاقتصادي والاجتماعي للبلاد منذ عقود، وإلغاء الدعم لن يحل أزمة العجز الحالية في الموازنة، بل يضيف إلى أزمات البلاد أزمة جديدة، ويفاقم معاناة السوريين الذين عانوا وما زالوا يعانون تبعات الأزمة الراهنة.
إن الجميع يعلم أن موازنة الدولة تعاني عجزاً كبيراً ومتزايداً نتيجة العقوبات الاقتصادية الجائرة التي فرضها المعسكر الغربي وبعض العرب، وسببت خسائر كبير للاقتصاد السوري، فوفق (المركز السوري لبحوث السياسات) بلغت الخسائر الاقتصادية الإجمالية نتيجة الأزمة الراهنة في سورية لغاية نهاية عام ،2013 نحو 143.8 مليار دولار أمريكي، وتعادل الخسارة بالأسعار الثابتة 276% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010. أما على المستوى الاقتصادي الإنتاجي فقد (انكمش الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 38.2% في الربع الثالث من العام 2013 فيما انكمش بمعدل 37.8% في الربع الرابع للعام نفسه، ليكون إجمالي خسائر الناتج المحلي الإجمالي منذ بداية الأزمة حتى نهاية عام 2013 نحو 70.88 مليار دولار أمريكي، منها 16.48 ملياراً سجلت في النصف الأخير من عام 2013)، فانعكست هذه الخسائر على المواطن السوري بالدرجة الأولى، إذ زاد معدل الفقر وبات ثلاثة أرباع السوريين فقراء، وأكثر من نصف السكان يعيش في فقر شديد، ونحو 20% من السكان يعيش في فقر مدقع، كما وصل معدل البطالة إلى 54,3% في نهاية عام 2013 بعد أن فقد 2,67 مليون شخص عملهم خلال أعوام الأزمة، الامر الذي أدى إلى فقدان 11 مليون شخص المصدر الرئيسي لدخلهم.
لقد ترافق كل ذلك مع سياسات غير مدروسة لإدارة الملف الاقتصادي فاقمت معاناة المواطنين، إذ اعتمد بعض راسمي السياسات على وصفات جاهزة من الخارج تسعى لتكبيل الاقتصاد السوري والسيطرة على قرارانا السيادي، والبعض انطلق من الداخل متجاهلاً أهمية الحفاظ على صمود المواطنين وقدرتهم على ذلك بعد أربعة أعوام من الحرب، وما تكبدوه خلالها من أرواح وأموال، ففي هذا الوضع المتردي يوجد في الدولة من يفكر بإلغاء الدعم على سلع الاستهلاك الشعبي الواسع، وعلى رأسها الخبز، أو التخفيف من هذا الدعم، كما ينادي البعض برفع أسعار الخدمات التي يقدمها القطاع الصحي، إضافة إلى السعي لتخفيض الضمان الاجتماعي لصالح الفئات المسيطرة مالياً المؤثرة بهذا الشكل أو ذاك على القيادات السياسية.
إنها إجراءات عديدة غير مدروسة العواقب، يسعى أصحاب القرار لتنفيذها متناسين أن سياسة الدعم من أهم الثوابت الاجتماعية في بلادنا، وقد حاول الكثير من المسؤولين في الوزارات السابقة، وخاصة الفريق الاقتصادي السابق، فعل الشيء نفسه، ولكنهم لم يوفقوا في محاولاتهم هذه.
إن الحديث اليوم عن رفع الدعم الحكومي، في ظل هذه الأوضاع المأساوية، ستكون نتائجه الاجتماعية كارثية، فالدعم واجب من واجبات الدولة ونوع من أنواع الخدمات التي تقدمها لقاطنيها، سواء أكانت دولة غنية أم فقيرة، والدعم الحكومي ضروري في أي مكان وزمان، للحفاظ على الحد المعيشي المقبول للشرائح المتدنية الدخول، وبضمن ذلك طبعاً الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية إضافة إلى المواد الغذائية الرئيسية، كل ذلك بشكل يراعي امكانيات المواطنين المالية ويخفف عنهم أعباء الأزمة وآثارها، فالقضية لا تتعلق إذاً بإلغاء الدعم، بل بإصلاح نظام الدعم الذي ينبغي أن يُربط ربطاً مباشراً بالضمان الاجتماعي، ويكفل وصوله إلى المستحقين الفعليين.
ختاماً، ومع تقديرنا الجهود المضنية التي تبذلها الحكومة لمعالجة احتياجات المواطنين، ولكن لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله للتخفيف من ضائقة المواطنين، خاصة أن ذلك سيلعب دوراً كبيراً في تعزيز صمود سورية في التصدي للمجموعات المسلحة من الداخل، والتآمر الاستعماري من الخارج، والوقوف في وجه تجار الأزمات والمتاجرين بقوت الشعب.