الحاجات الإنسانية ما بين الطموح والاستلاب

تلبية الحاجات الانسانية، من غذاء وتعليم وصحة وعمل وأمان وأمان واستقرار، لكل مواطني البلد هو الهدف الرئيسي الذي يجب العمل وفق برامج وخطط للوصول إليه عبر قوانين وآليات عمل تساعد في الوصول إلى العدالة الاجتماعية وأنسنة الدولة. وتختلف هذه الحاجات من بلد إلى آخر وفقاً لإمكاناته ووفقاً للتطور البنيوي والتقدم الحضاري. وتلبية هذه الحاجات هي الهم الأكبر للبلدان الغنية الإمبريالية قبل أي بلدان أخرى حتى تحافظ على التوازن البنيوي الاجتماعي وتماسك النسيج في بلدانها. من أجل السير بتنفيذ خططها الاستراتيجية وفق الرؤية المسيطرة القائمة على رفاهية شعوبها واستعباد الباقي واستغلاله وموته لا يهم، وإن كانت البلدان الحاكمة تختبئ وراء التنظيمات الدولية والمؤسسات الأممية بتنظيرات رنانة صاخبة قوية وبشكل سرطاني  معولم حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتقيم المؤتمرات والورشات والندوات وتسلط الأضواء على ظواهر ومؤشرات الفقر والبطالة والأمية، وهي في الواقع أهم معرقل لحل هذه المشاكل في البلدان النامية إن كان بتدخل مباشر أو عبر أدوات بالنيابة، وكلما سار البلد في خطا التطور والتقدم البنيوي زادت قائمة هذه الحاجات والمستوى الأدائي اللازم للقيام بها، وقد فرض الصراع الطبقي والوعي الجماهيري على الفئات الرأسمالية القبول بتلبية جزء كبير من هذه الحاجات، وهو أسلوب تكتيكي لامتصاص الغضب وعدم إعلان الخسارة النهائية والانجرار إلى مستقبل يكونون فيه مكسوري الجوانح وفاقدي الفعالية في السيطرة القادمة، وإعادة الاعتبار لشخصيتهم المستعبدة المحتكرة المستغلة.  ونجم عن هذا الوعي تأطيرات نقابية ومنظمات مراقبة ومدافعة بقوة من أجل حماية حقوق العامل والمواطن والإيفاء بمزيد من الحقوق، وتبلور ذلك بشكل واضح خلال الحرب الباردة والصراع القوي بين الرأسمالية وقواها، والاشتراكية المنتشرة بشكل دومينو صعب التوقف، ولكن التطورات اللاحقة وإعادة قراءة التجربة السوفيتية عبر البيروستريكا وخروج الغول الأمريكي بهيئة المنتصر، الذي حاول أن يؤمرك العالم عبر عولمته وفق عقلية ليبرالية مقطوعة التنفيذ إلا حسب المصلحة الأمريكية، ما جعل الفئات الرأسمالية المرتبطة بشكل مباشر أو عبر وسائط بالمعسكر الأمريكي تتمادى في محاولة سلب ما وصلت إليه الطبقات الكادحة من حقوق، وإعادة الاضطهاد والبؤس والتفوق الشخصي على الجمعي المقونن في كل بلد. فبعد أن وصلت أغلب بلدان المنطقة إلى قوانين عمل تعطي الحقوق للعمال وللفلاحين، ومكتسبات قلما تصورت العقول الوصول إليها، جاءت القوى المغناطيسية الهادفة لسلب ما أمكن منها مع محاولة تجفيف نبع الحاجات الأخرى، بحيث تعود السيطرة لقوى فئوية جديدة مؤتمرة بأمر الغرب الأمريكي وأغلب أجنداتها تابعة ومرسومة من قبله، هذا الغرب الهادف لعرقلة أي تنمية مستقلة متوازنة متكاملة، وخلخلة توازن المجتمعات لتدميرها في لحظات الحاجة وفرض الإملاءات الموطنة لأدواتها والناهبة لثرواتها والمعرقلة لنموها، وأهم مبادئ للوصول إلى هذه الرؤية هو عرقلة بناء الإنسان، القوي المؤمن بقضيته بتلبية الحاجات التي تجعله متمسكاً بحماية الأطر والمنظمات الملبية لها وداعماً أساسياً لاستمراريتها، للأسف هذه المعادلة التي صرف الكثير من الجهد والوقت والعقول والتضحيات للوصول إلى تأسيس قوي ومهم لها لعب على إفراغها وانتقاص أغلب الحاجات والحقوق عبر سلب أهم مبدأ وهو الإبداع الفكري والعقلي للوصول إلى تراكم معرفي وتنظيمي يستثمر أفكاراً حرة بناءة ضمن الإطار الوطني واحترام الآخرين، فتقولبت التأطيرات والمنظمات وتوالدت عبر عقلية الإملاء بدلاً من الإبداع، واختزلت أغلبها بمصالح ضيقة لبعض الأشخاص المفروضين ضمنها على حساب الجمع المكون لها، وبالتالي بدأ العد التنازلي لتلبية الحاجات، إن كان بتخلي هذه المنظمات والتأطيرات عن تلبيتها أو كان برفع كلفتها التي غالباً ما كانت مجانية، وتصعب الوصول إليها من أي كان، مترافقة مع سوء الأداء مقارنة بما كان عليه سابقاً، وأكبر دليل هو وضع الحاجات الصحية والتعليمية التي أصبح أغلبها مأجوراً بتكلفة عالية تفوق طاقة المواطن، إضافة إلى ما أصاب الحاجات الساسية من خروقات قانونية أو تغاضٍ عن القوانين خلخت التكوين القوي للمواطن، وانتقصت من حاجة الأمن والأمان الآني والمستقبلي، إن كان بالحفاظ على دخله أو أمنه الشخصي، وبذلك تراجعت هذه الحاجات من حيث قدرة المواطن على تلبيتها أو الدور الذي تقوم به الدولة لتلبيتها بشكل كافٍ من حيث النوع والجودة، وما نجم عنه من خلخلة كانت المدخل القوي لظهور فئات سرطانية محمية من الغرب المتعولم أمريكياً، هدفها إعادة دائرة الاستغلال واحتكار الثروات والقرار والسير نحو تكريس الارتباط الكولونيالي ما بين دول المركز ودول الأطراف، وهكذا لم تستطع القوى الإنسانية التي اكتسحت الساحة العالمية لعقود كثيرة من الاستمرار بأنسنة العالم وإعلان انتصار مشروعها الانساني البناء ضد المشروع الرأسمالي المتوحش البعيد عن أي حضارة وأساليب بشرية، لتكون غفوة كبيرة نجم عنها تفرد القوى الظلامية الغرائزية بالساحات، كعنوان لتدمير ممنهج للداخل الإنساني ولوجوده المستقبلي، في صراع مفتوح لم تستطع فيه القوى الإنسانية من بلورة خط إنساني جامع قادر على مواجهة القوى الرأسمالية والتابعة المستقوية بقوى ظلامية همجية سرقت الحاجات الإنسانية والمشروع الإنساني من أناس أيقظهم عدم تلبية هذه الحاجات من تخدير سنين عاشوا فيها على أنغام ما أوصلته إليهم قوى طليعية بناءة ضحت بكل شيء من أجل إيصال هذه الأمانة التي لم يستطع أصحابها الحفاظ عليها، لتعود الدائرة إلى صراع جديد بحاجة لتوحد الجهود لحسمه بين قوى الاستغلال المدعومة أمريكياً وصهيونياً، وقوى سلبت حقوق أنسنتهم سابقاً، ولكنهم بسلبها فرغوا وتحولوا إلى قطيع لا يعرف المسير ولا اتجاه البوصلة. هذا الصراع الذي إن لم يحسم سريعاً ستكون نتائجه أسوأ مما وصلنا إليه في عالم تقوده قطعان من الجريمة المنظمة، باختراع أمراض لقتل الناس وبمافيات منظمة لإشعال الحروب واستعباد الناس وتحطيم إنسانية الانسان.

إن الشكل الذي تظهر عليه الصراعات التي حرفت بفضل أتباع أمريكا والغرب إلى صراعات غرائزية طائفية مذهبية قومية لا يمكن أن تمر على العقلاء بجوهرها المبطن بسيطرة قوى الاستغلال والتفرد بمصير الانسان وجره للعبودية القادمة، وتطبيق المالتوسية القائمة على اعتبار جزء من البشرية فائضاً يجب التخلص منه بقتله عبر كل الوسائل واستمرار مسلسل النهب وتصريف الإنتاج وعدم السماح لأي دولة أخرى من منافسة الغول الأمريكي المسيطر.

العدد 1195 - 23/04/2026