في ظل الأزمة.. الصناعة في نفق مظلم!

دأبت الحكومة السورية في الأشهر الأخيرة على إعلانها دعم الصناعة الوطنية وخطواتها لإعادة دوران عجلة إنتاج عدد من المنشآت الصناعية في القطاعين العام والخاص.

لكن، حتى اليوم مازال كل ما قدم للصناعة الوطنية لا يشكل شيئاً، ومازال في عدد من مفاصله لا يتعدى رفع شعارات الدعم التي اعتاد عليها الصناعي السوري والمواطن السوري.

فعلى الرغم من إعادة الأمن لعدد من المناطق الصناعية إلا أن معناة الصناعيين مازالت قائمة حتى اليوم، ومنها توفر حوامل الطاقة، سواء أكانت الفيول أم المازوت أم الكهرباء، الأمر الذي يدفع الصناعيين إلى تكبد مبالغ إضافية لتأمينها، وانعكاس ذلك على مختلف أسعار السلع والخدمات، وتحميل المواطن ارتفاع تكلفة المنتج النهائية.

إنَّ مشكلة قطاع الصناعة السورية ليست وليدة الأزمة فقط، ولكنها تفاقمت في ظل الأزمة، وذلك لغياب الاستراتيجية الواضحة، وضعف التواصل الفاعل بين الحكومة وصناعييّ القطاع الخاص المنتج، إضافة إلى حاجة العديد من المؤسسات العامة الصناعية إلى إعادة هيكلة جذرية.

فالصناعة اليوم تكبدت خسائر جمة جراء الأزمة، إذ دمرت وسرقت وأحرقت أبنية العديد من معاملنا على امتداد الجغرافيا السورية، كما أضطرت أعداد كبيرة من المنشآت الصناعية إلى الانتقال إلى مناطق آمنة داخل سورية أو خارجها، الأمر الذي أدى لخسارة أسواق محلية بسبب تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وانخفاض قيمة العملة الوطنية وارتفاع الأسعار، وخسارة الأسواق الخارجية بسبب توقف الإنتاج وارتفاع تكاليفه وصعوبة نقله، وإلغاء عقود التصديرمن قبل عدد من الشركات الأجنبية بسبب العقوبات الجائرة.

كل ذلك أدى لتسريح أعداد كبيرة من العمال، وتوقف العديد من المنشآت ووالورش الصغيرة والمتوسطة (متناهية الصغر، وحسب وزارة الصناعة بلغ عدد العمال الذين خسروا عملهم إثر توقف معامل القطاع الخاص الصناعي فقط)، 800 ألف عامل، منهم 200 ألف مسجلين في التأمينات الاجتماعية.

في ظل هذه الأوضاع المأسوية اقتصادياً دأب المسؤولون على الإعلان عن دعم الصناعة الوطنية، وتشجيعهم لعودة الصناعيين المهاجرين مقدمين حزمة من الاقتراحات لذلك، ولكن حتى اليوم لم ينفذ شيء من ذلك إلا في أضيق حدوده، فمثلاً معاناة الصناعيين من انقطاع التيار الكهربائي تتفاقم كل يوم، إضافة لتكبدهم مبالغ إضافية لتأمين المحروقات لتشغيل المنشآت الصناعية، وغيره الكثير من الهموم والمشاكل التي تكتنف العمل الصناعي اليوم، فالإجراءات التي اتخذت لمعالجة آثار الأزمة على الصناعة السورية اعتمدت أسلوب إطفاء الحريق، فجاءت بفاعلية محدودة لغياب الإجراءات الضرورية لمواجهة كل الاحتمالات المتوقعة مسبقاً، وغياب تحضير البدائل اللازمة للفترة القادمة.

إنَّ المطلوب اليوم إجراء حل سياسي يعيد الأمن إلى جميع الأراضي السورية، ويساعد المنشآت الصناعية على إعادة إنتاجها، والعمل على تسريع المصالحات الوطنية الحقيقية، وإيجاد السبل التي تُلزم كافة الأطراف بها، وإلغاء العقوبات الاقتصادية الجائرة التي انعكست على المواطن السوري بالدرجة الأولى، إضافة إلى ضرورة تمكين ما يمكن من المصانع والورش لتعاود إنتاجها ولو جزئياً لتلبية حاجة السوق المحلية من السلع والمنتجات الأساسية، ولقدرتها أيضاً على استيعاب عدد لا باس به من العاطلين عن العمل.

ومن ناحية أخرى العمل على تأمين التمويل اللازم لتأهيل الصناعة السورية وتطويرها، بالتوازي مع تطوير الاقتصاد السوري كاملاً ليكون منسجماً مع خطط إعادة الإعمار، مع الإشارة إلى ضرورة أن تعالج الإجراءات أثر السياسات النيوليبرالية على الصناعة الوطنية خلال العقد الماضي.

إن دعم الصناعة الوطنية وحمايتها اليوم أمر ضروري لتتمكن من معاودة الإنتاج، مع التركيز على الصناعات ذات القيمة المضافة، من الصناعات التحويلية والزراعية التي تتناسب مع متطلبات الأسواق للتصدير، ومنحها مزايا تشجيعية ودعمها بدلاً من الصناعات الاستهلاكية، والعمل على رفع معدلات نمو إنتاجية العمل.

العدد 1195 - 23/04/2026