مفارقات تئنُّ وجعاً
الكتابة عن الواقع المعيش الذي يتنقّل بين أركانه المواطن السوري، هو واجب على الصحفي والكاتب و (بلا جميل)، رغم معرفة عناصر الأزمة السورية ومكوّناتها وإفرازاتها والاحتمالات المتوقعة لنتائجها، ومعرفة طبيعة العدوان العالمي الدموي الظلامي ضد سورية والشعب السوري.
مفارقات لم تعد غريبة في وقوعها وتفاعلها، لأنَّ المواطن أدمن عليها وأصبحت المعاناة اليومية (شبه عادة) بحكم تكرارها ومعايشتها (سلباً أو إيجاباً) . وعندما ينطلق العامل صباحاً إلى عمله يعرف جيداً أنه سيقطع المسافة كلها من البيت إلى العمل، إن كان قريباً أو بعيداً سيراً على قدميه.. وإذا توجه إلى سوق الخضار واللحوم مثلاً، يتجوَّل أولاً بين البسطات والعربات والمحلات ويتفيأ تحت المظلات، ويصيخ السمع لأصوات الباعة وهم يعلنون عن الأسعار، ثمَّ يقف ويبدأ يساوم الباعة إلى أن يتأكد من أن الأسعار واحدة وموحدة، عدا بعض الباعة الأكثر جشعاً واستغلالاً من غيرهم، من الذين يزيدون السعر درجة أو اثنتين عن غيرهم حتى وإن كانوا من جيرانهم. وارتفعت أصوات المواطنين وازدادت أوجاعهم وتجمَّع أنينهم في قلوبهم وتحت سقوف صدورهم. ورسمت غيوم الألم على وجوههم أحزان الحاضر علماً أنهم ظلّوا يحنّون إلى الماضي، مثل الإخوة الفلسطينيين الذين ما يزالون يحتفظون بمفاتيح بيوتهم وهذا حقهم المشروع، وهم يعلمون جيداً أن الاحتفاظ بحلم العودة في الذاكرة أفضل بكثير من حجره في مدافن الأجداد.
ويعرف المواطن أيضاً أكاذيب أصحاب محلات الثياب الذين يعلنون في موسم التنزيلات عن خفض الأسعار بنسب مختلفة. ويتضاعف الخوف عشرة أضعاف عند المواطنين، خاصة أصحاب الدخل المحدود وصغار الكسبة، ومن تخرّبت محالهم ومعاملهم وفقدوا بيوتهم. أما البيوت التي بقيت صامدة بجدرانها وأبوابها ونوافذها ولم تتعرض للسرقة من لصوص الليل والنهار، فتحتاج إلى مبالغ طائلة كي تكون صالحة للسكن من جديد!
لقد تعلّم المواطن السوري من الأزمة دروساً، وحقق فائدة كبيرة من تجربة مرّة سيلقّنها لأولاده وأحفاده. وأصبح قادراً على إجراء عملية فرز بين من يكذب ويباع بأبخس الأسعار، ومن وقف بصلابة وقوة في وجه أعداء سورية وقاوم بشرف وإخلاص، وبين من حمل القلم وكتب وفضح، ومن بيع مطأطئاً، وأخذ شققاً وسيارات ثمن مواقفه الانشقاقية. وهناك من فتحت لهم الإذاعات والفضائيات أبوابها ومنابرها في دول عربية وإقليمية وأوربية. ومنهم من حصل على الجنسية التركية أو الإقامة الدائمة في دول أوربية وإمارات الغاز والنفط! وكثيرون بدؤوا ينشرون المقالات الكريهة بأقلام محبَّرة بالسمّ عن سورية، علماً أن هؤلاء كانوا يتقلدون مراكز هامة في المؤسسات والجامعات، وأكثرهم من المخبرين والعسس والواشين بالمخلصين للوطن.
ويعرف المواطن أنه سيبدّل حذاءه كل عام مرة أو أكثر، بعد ارتفاع أسعار المحروقات وأجرة السيارات العمومية والسرافيس وارتفاع أسعار الأحذية بألوف الليرات، وأنه سيعاني من البرد وهو غير قادر على مواجهة فصل الشتاء هذا العام..
ورغم المعاناة والعَوَز وصعوبات تأمين عيش الأسرة وتعليم الأولاد، لم يقف المواطن الشريف مكتوف الأيدي تجاه أي عدوان أو تدخل في الشؤون الداخلية لسورية، وظلَّ يتسلح بالوعي وبهويته الوطنية والقومية الراسخة، وثقته بإرادة شعبه والحفاظ على مكوّنات المجتمع، وتاريخه النضالي العريق وحضارته وهو يتحمَّل الأزمات بصبر. والمواطن الذي يعرف واجباته وينفذها على أكمل وجه، من حقه أن يحصل على حقوقه وأن تُصان كرامته، رغم ما في جعبته من انتقادات لما يجري على أرض الواقع، وما يترسَّب في صدره من أوجاع ما تزال ترفع أصواتها في أنين موجع..!