أصعب موت.. وأقسى رحيل
ستبقى الأغصان منتصبة مادامت جافة، يابسة من الحياة، خالية من الروح والأمل ولن تتغير سمعتها مهما مدحناها أو ارتفع تصفيقنا لها، وألقينا عليها أجمل الألحان وألبسناها أحلى الثياب وعطرناها بأطيب الورود.
إن من كانت جذوره عميقة، وطبعه أصيل، لا خوف عليه من التعثر، فالإنسان لا يفصله عن القمم ارتفاعها، بل ذلك الحصى الصغير الذي يعلق تحت قدميه.
المارقون في الحياة هم كذاك الحصى، لا هدف لهم ولا همّ أو عمل سوى إعاقة تقدم الآخرين، أولئك ينبغي الحذر منهم، فهم غالباً ما تكون جذورهم على السطوح ومع القشور، كنباتات الطحالب وأشنيات البرك والمستنقعات، جذورهم طافية، وعائمة، وأساسهم مختلط مع الوحل وروائح الجثث المتعفنة.
(وليس المهم أن نولد أشرافاً، بل المهم أن نحيا أشرافاً).
يقال إن رجلاً حكيماً جمع أولاده يوماً ما وقال لهم: لقد أحسنت إليكم وأنتم صغار، وأنتم كبار، وقبل أن تولدوا.
فقال أحدهم:
يا أبتي: لقد أقنعتنا بكلامك، ولك الفضل والأجر في أنك ربيتنا حتى كبرنا، ولكن نريد أن نفهم كيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟!
فقال الرجل: لقد تخيرت لكم أما لا تعيّرون بها، وهكذا أكون قد أحسنت إليكم قبل أن تخرجوا إلى هذه الحياة.
إن سمعة الإنسان هي جواز سفر إلى أي مكان، والمنارة التي تضيء له طريق العزة والكرامة، فمن فقد سمعته فقد كل حياته، وإن كان يعيش ويتحرك بين الناس ويأكل ويشرب وينام.
إن أصعب موت، وأقسى رحيل، لا أن يذبح الإنسان من الوريد إلى الوريد، ولا أن يغرق في البحار المالحة وبرك الطين الآسنة، فكل ذلك سهل أمام موت سمعته بين الناس.
إن السمعة الجيدة، والصيت الحسن شبيهة بشجرة الزيتون، فحين نزرعها ينبغي أن نصبر عليها حتى تخرج إلى النور، ومن ثم تعطي الزيت والزيتون بعد عشرين سنة أو أقل بقليل، أي أنها تنمو ببطء، لكن مفعولها يستمر من جيل إلى جيل.
وبقليل من الشرف والكرامة يستطيع الإنسان أن يجمع كثيراً من المال والذهب، وبكثير من المال يصعب عليه جداً أن يجمع قليلاً من الكرامة والشرف.
ما أصعب المحافظة على السمعة الجيدة في مجتمع (يلحق الراقصة، ويلاحق المفكرين، والفلاسفة).
أوقف أحد الأشراف الأغنياء الفيلسوف الإنكليزي المشهور برناردشو وسأله:
عفواً سيدي، ألم يكن والدك خياطاً؟!
فأجاب شو: أجل.
فقال الشريف: فلماذا لم تأخذ عنه حرفته؟!
فقال شو: عفواً سيدي، ألم يكن والدك نبيلاً؟
قال الشريف: بكل تأكيد، وهل يختلف اثنان على ذلك؟
فقال شو:
فلماذا لم تأخذ عنه نبله؟!
أيها الأصدقاء:
نفقد شرفنا في الحياة في حالة واحدة: فقط عندما نتعدى على شرف وكرامة غيرنا من الناس.
دمتم.. ودام شرفكم عالياً، وكرامتكم عزيزة.