هل سيدرج مصرف سورية المركزي التنمية على جدول أعماله قريباً؟!

يلعب الجهاز المصرفي دوراً رئيسياً في قضية التنمية في كافة الدول، من خلال مساهمته في زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وضمان استمرارية النُّمو من خلال ضمان استمرار تدفُّق الفائض الاقتصادي، أو المتبقي بعد حاجات الأفراد، والموجه للاستثمار، والعمل على جذب جزء كبير من الأموال المكتنزة والمجمدة خارج القطاع المصرفي لكي تدخل الدورة الاقتصادية وتساهم في العملية التنموية، إضافة لتأمين القروض اللازمة للعمل في القطاعات الاقتصادية المختلفة بحيث تساهم في إقامة وتوطين مشاريع استثمارية جديدة تسهم في حل مشكلة البطالة وتقليص معدلات الفقر، وذلك لضمان الحياة الكريمة للمواطنين، فمؤسسات التمويل في أي مجتمع مسؤولة عن نوعية النمو الاقتصادي الذي يحققه هذا المجتمع، وهل هذا النمو إيجابي ويتسم بالعدالة؟ أم أنه سلبي ورديء ويتسم بالانحياز لصالح طبقة اجتماعية على حساب باقي طبقات المجتمع.

ويقع على رأس القطاع المصرفي في أي بلد المصرف المركزي الذي يعدُّ أهم المؤسسات المالية والدعامة الأساسية للهيكل النقدي والمالي في كل أقطار العالم، وتتمتع نشاطاته بأهمية كبيرة، كما أن وجوده ضروري لتنفيذ السياسات المالية للحكومة، ويلعب دوراً مهماً في تنفيذ السياسة الاقتصادية في الدولة، فدور المصرف المركزي لا يقتصر على رسم السياسة النقدية والرقابة المصرفية والإصدار النقدي، إذ لا تقل أهمية دوره في تطوير النظام المالي عن دوره في الرقابة.

وقد عرفت المصارف المركزية بأنها المصارف التي تنظم السياسة النقدية وتعمل على استقرار النظام المصرفي، كما تقوم بدورها في تمويل التنمية الاقتصادية وبالتالي تحسين مستوها، والمتمثل في توزيع أفضل للدخل، ومكافحة الفقر، ورفع المؤهلات والقدرات البشرية، وتحسين كفاءة الإدارة وبيئة العمل عبر تحديث التشريعات وإعادة هيكلة المؤسسات، إلا أن دور المركزي السوري في مجال التنمية امتاز بالضعف بسبب السياسات العامة للدولة.

التنمية تعريفاً هي رفع مستدام للمجتمع ككل، وللنظام الاجتماعي نحو حياة إنسانية أفضل، وهي تستهدف نقل المجتمع إلى الحالة الأفضل عبر زيادة الناتج الإجمالي ومداخيل الأفراد والتوزيع العادل للثروة بين طبقات الشعب.

وأيضاً هي: «تقدم المجتمع عن طريق استنباط أساليب جديدة أفضل، ورفع مستويات الإنتاج من خلال إنماء المهارات والطاقات البشرية، وخَلْق تنظيمات أفضل»، فمفهوم التنمية يوضح التغيرات التي تحدث في المجتمع بأبعاده الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الفكرية والتنظيمية والثقافية، من أجل توفير الحياة الكريمة لجميع أفراد المجتمع.

أما بالنسبة للتنمية الاقتصادية فتتضمن إجراء تغييرات في هيكل الناتج، الأمر الذي يتطلب إعادة توزيع عناصر الإنتاج في مختلف القطاعات الاقتصادية، وهنا تبرز العلاقة بين النمو والتنمية، مع الإشارة إلى أن مفهوم التنمية أشمل من مفهوم النُّمو الاقتصادي.

 

شعارات دون خطوات

مرت سورية عبر تاريخها الحديث بمراحل تنموية عديدة ولكنها بمجملها لم ترق لتحقيق نتائج حقيقية على أرض الواقع، وهو ما كان أحد أسباب الأزمة الراهنة، فقد عانت التنمية في سورية من خلل كبير، ولم تك تسير في الاتّجاه السليم، فعلى الرغم من تغني الفريق الاقتصادي بتحقيق نسب نمو في العقد الماضي إلا أنه جاء دون تنمية حقيقة ومستدامة، وخير شاهد على ذلك ما آل إليه قطاعا الزراعة والصناعة بعد توجه الاقتصاد صوب القطاعات المالية والريعية، في ظل توجه الاقتصاد نحو اقتصاد السوق الاجتماعي الذي اختلف الاقتصاديون حول تفسيره، ولكن الطبقات الكادحة والفقراء أجمعوا على نتائجه الخطيرة التي تجلت بتفاقم نسب البطالة والفقر، واتساع الفجوة بين الدخول، وتركز الثروة في يد حفنة من المتنفذين، وتهميش كامل للأرياف، وإرتفاع معدلات الإستهلاك الإجمالي، وبالتالي انخفاض معدلات الإدخار أي انخفاض الإستثمار.

وفي خضم هذا الوضع لم يساعد مصرف سورية المركزي على دفع الدورة الاقتصادية للبلاد، ولم يكن له دور يذكر في عملية التنمية، على الرغم من أن أحد مهامه مواكبة عملية التنمية والبناء في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. ولكن المركزي لم يتمكن من القيام بذلك بسبب انعدام السياسات التنموية والخطط الاقتصادية التي يرسمها واضعو السياسات الاقتصادية الكلية -التي غالباً ما تكون متضاربة مع الهدف الرئيسي للسياسة النقدية- يحددون من خلالها دور المصرف المركزي في عملية التنمية، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي، متناسين بأن السياسة النقدية يجب أن تكون متسقة إلى حد كبير مع السياسة الاقتصادية العامة للدولة، مع الإشارة إلى أن تنفيذ التنيمة يتطلب وضوح السياسات الاقتصادية وتحديدها أولاً، إضافة إلى عدم تشتيت القرار الاقتصادي بين وزارات متعددة، ووزراء ينتمون إلى فروع معرفة مختلفة.

إن المطلوب اليوم من المركزي العمل على وضع خطط مستقبلة تركز على مفهوم التنمية الشاملة، وتبنى على أسس العدالة الاجتماعية والحقوق المتساوية للجميع، وهو أمر مرهون بشكل الحل السياسي الذي ينهي الأزمة السورية، والنهج الاقتصادي الذي سنسير وفقه مستقبلاً.

ويبقى في الختام سؤال برسم المعنيين في المركزي: هل سيدرج مصرف سورية المركزي التنمية على جدول أعماله قريباً؟!

العدد 1194 - 15/04/2026