في الذكرى العاشرة لرحيله فارس زرزور.. صاحب النبوءة الخالدة
(نحن لسنا مذنبين ولن نكون أبداً مذنبين. أولئك الذين خطفوا أرضنا وصيرونا إلى هذه الحال، أولئك هم المذنبون وهم الذين يستحقون العقاب).
بهذه النتيجة البسيطة الواضحة التي توصل إليها الفلاح جدعان العبد الله، بطل رواية (المذنبون) الصادرة عام ،1974 يضع الأديب الراحل فارس زرزور الإطار العام الناظم لمجمل نتاجه الفكري والأدبي الغزير كماً والغني نوعاً. فأعماله الروائية والقصصية تتوالى أشبه بلوحات فنية واقعية تنضح بالتزام وجداني يكاد يكون عصابياً بقضايا شعبه، مستلهماً مواضيعها وألوانها وتفاصيلها من تجربة التصاق شديدة الخصوصية بواقع هذا الشعب وقدرة فريدة على رصد أدق تفاصيل حياة مجموعاته وأفراده رصداً مجهرياً بالغ الدقة والأمانة.. هم عالمه الأرحب ومادته الخام.. من معين همومهم وآلامهم ينهل، بأحاسيسهم ومشاعرهم يتقد، لكبواتهم وخيباتهم يأسى، بآمالهم وتطلعاتهم يستهدي ويستشرف، يتوحد بهم أحياناً إلى درجة التقمص حتى تتداخل وتضيع الحدود الفاصلة ما بين الواقع والخيال في متاهات لعبة تبادل أدوار متقنة تبدو معها كل محاولة للتمييز ما بين كائنه الورقي ونموذجه الواقعي ضرباً من العبث.
حدد فارس زرزور مفهومه للرواية يوماً بقوله: (الرواية هي أحد الفنون التي واسطتها الفكر والرؤية والقلم، وتوضع في حرص لتكون في خدمة الإنسان).
وانطلاقاً من إخلاصه العميق لمفهومه هذا الذي يؤمن بالإنسان غاية وهدفاً، نجده ينحاز دوماً للإنسان المظلوم المغلوب على أمره في كل مكان، فينحت أبطاله على صورته.. الإنسان الشقي الآمل بالخلاص، المستضعف الباحث عن العدالة، المحبط المتشبث بالأمل، الناقم الثائر لكرامته وحريته. هكذا كان بطله محمد قاديش عندما حاول قتل لورنس العرب في رواية (لن تسقط المدينة)، ولذلك يقوم حسن جبل بقتل الآغا في رواية (حسن جبل). وللدوافع والأسباب ذاتها يثور حسن ورفيقه جابر في وجه السيد الإقطاعي المتواطئ مع المحتل الأجنبي في رواية (الأشقياء والسادة). هكذا كان عمر الذي قرر أن يبدأ مواجهته الخاصة بتحرره من الأمية في رواية (الحفاة وخُفَّيْ حنين)، ولا تبدو نقمة خالد جعفر العارمة في رواية (اللا اجتماعيون) بشاذة عن هذا السياق.
أما جدعان العبد الله، ذاك الفلاح البسيط الذي تهافتت عليه مصائب الأرض والسماء، فهو الناطق بلسان كل هؤلاء معاً ومعهم الشريحة الأوسع من شعوب العالم.. إنه ظاهرة فنية عابرة للحدود والزمن.
هؤلاء هم أبطال فارس زرزور.. رواة ثقات لحقبة حافلة من تاريخ وطن.. رموز للحق وشهوده في صراعه الأزلي مع الباطل ممثلا بأبشع صوره ومظاهره: الظلم، الفقر، التخلف، الجهل… هم الجمر تحت الرماد.
فإذا كان الأدب تعبيراً عن المجتمع، كما يرى (بلزاك) رائد الواقعية الأوربية، فلا بد من النظر إلى تجربة فارس زرزور الأدبية بوصفها نموذجاً فريداً في القدرة على تمثل جوهر هذا الرأي ووضعه موضع التطبيق. وجدير بصاحبها الذي بذل عمره وجهده وعرقه حتى القطرة الأخيرة في هذا السبيل، أن يتبوأ مكانته رائداً من رواد الواقعية العربية والسورية على وجه الخصوص، الذين أدركوا باكراً أن الميدان الأهم للصراع من أجل مستقبل الوطن ليس هو الميدان العسكري أو السياسي، بل هو الميدان الذي نثبت فيه قدرتنا على بناء إنسان واع متحرر من سطوة المذنبين.
في هذه الأيام العصيبة التي يواجه فيها الوطن أعتى العواصف المنذرة باقتلاع كل مدينة وبلدة وقرية فيه، ماذا عسانا أن نقول لفارس زرزور في ذكرى رحيله سوى أن نرفع الصوت عالياً مرددين نبوءته الخالدة صرخة مدوية في وجه المتربصين شراً بالوطن:
خسئتم.. لن تسقط المدينة!