تقديم وجبات للصائمين.. أم تدريبهم على العمل؟
يراوح العمل الأهلي في مكانه، ويقتصر على التبرعات وما يقدمه المحسنون والراغبون في(التكفير عن ذنوبهم)، ولهذا يزداد العمل الخيري في شهر رمضان، وتتسع الفضاءات التي تعمل بها الجمعيات الأهلية والخيرية البالغ عددها أكثر من 1400 جمعية مرخصة.
خلال الفترة المنصرمة، اتضح بما لايدع مجالاً للشك أن العمل الخيري في سورية عميق ومتجذر، وهناك أياد بيضاء كثيرة تمارس دوراً مهماً في تخفيف آلام الحياة عن شرائح كثيرة من المجتمع أصابت منها الأزمة الراهنة مقتلاً، وساهمت في فقدانها بيوتها وفرص عملها ومصادر رزقها.
واللافت للانتباه أن يقتصر العمل الخيري على ما يسمى (موائد رمضان)، إذ لاحظنا إصراراً كبيراً وتسابقاً محموماً من الجمعيات الخيرية والأهلية على تقديم الوجبات للمحتاجين من الصائمين، وهذا عمل بالتأكيد يستحق التقدير، لكنه لايكفي إطلاقاً، ولايعبر عن جوهر العمل الأهلي والخيري الحقيقي، ولا يحقق أهدافه وأبعاده ومراميه.
حتماً، نحن بحاجة إلى تغيير الصورة النمطية للعمل الأهلي، وبحكم المؤكد أن ما شاهدناه في رمضان لا يعبر عن حقيقة ما يجري من عمل خيري، إذ ليست موائد رمضان والمآدب التي أقيمت، هي الأساس في هذا المجال.
ما يتطلب النظر إلى الموضوع من جانب آخر يتعلق بالناحية التنموية، ووضع الحيثيات لبلورة مشروع ينقل العمل الخيري من صيغته الحالية التقليدية التي عفّى عليها الزمن، إلى صيغة أكثر تطوراً ومعاصرةً، ولا تتناقض مع كنه هذا العمل، أي الانتقال إلى العمل التنموي، عبر التدريب على تأسيس المشاريع الصغيرة والمتناهية بالصغر، وتأمين التمويل اللازم لها، وتعليم المستحقين مهناً معينة تجد فرصاً لها في سوق العمل. كما لا يمكن أن نغفل أهمية ما قامت به بعض الجمعيات بتقديمها الرعاية الصحية والطبية والدوائية للمحتاجين، إن عملاً كهذا أفضل بكثير من تقديم الوجبات، وتفاخر الجمعيات بعدد الوجبات التي قدمتها للصائمين، فيما بعد حلول عيد الفطر السعيد تنكفئ هذه الجمعيات، ويخبو بريق القائمين على مجالس إدارتها، ويؤجل العمل الخيري إلى رمضان قادم.
لابد من الانتباه أن الأموال الطائلة التي تنفق على الوجبات، لا تشكل أهمية على الإطلاق، بالمقارنة مع أهميتها في حال حوّلت هذه المبالغ نحو أعمال خيرية حقيقية، شعارها العمل التنموي، فتعليم المحتاج اصطياد سمكة، أنفع وأبلغ أثراً من إطعامه السمكة ذاتها.