كرة الثلج التركية
جاءت دعوة رجب طيب أردوغان إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة في شهر تشرين الثاني القادم كخطوة استباقية يحاول بها إنقاذ مشروعه الذي بدأ يتداعى أمام عينيه بتحويل النظام السياسي في تركيا إلى نظام رئاسي يحكم من خلاله السيطرة على القوات المسلحة والسياسة الخارجية لأنقرة.
هذه الخطوة قد تعود بنتائج عكسية على أردوغان ومجموعته المتطرفة والعنصرية التي فشلت في تحقيق الأغلبية في انتخابات السابع من حزيران المنصرم، فمعظم المؤشرات تدل على أن العثمانيين الجدد لن يستطيعوا قلب الموازين السياسية التي أفرزتها صناديق الانتخابات والتي أعادت رسم الخريطة القوى السياسية في تركيا، بل إن الحرب التي شنها أردوغان على الجبهتين، الداخلية ضد الأكراد والخارجية ضد تنظيم (داعش) الإرهابي، أدت إلى بلبلة الوضع الداخلي في تركيا ودفعت العنف إلى حده الأقصى وسط هبوط حاد في سعر صرف الليرة التركية ومخاطر من تراجع النمو الاقتصادي الذي كان إنجاز العثمانيين الجدد الوحيد، الأمر الذي أدى إلى حدوث توترات اجتماعية غير مسبوقة على امتداد الجغرافيا التركية.
الدعوة للانتخابات التركية جاءت بعد أن فشل أحمد داود أوغلو في تشكيل حكومة ائتلافية بين حزب العدالة والتنمية وأحد أحزاب المعارضة الرئيسية، بسبب الاختلافات الكبيرة في وجهات النظر حول ملفّي السياسة الداخلية والخارجية، إضافة إلى عدم رغبة أردوغان في إعطاء الفرصة للمعارضة في تولي السلطة وتشكيل الحكومة خوفاً من الحد من تدخلاته المتكرر في عمل الحكومة، الأمر الذي يشكل خرقاً للدستور التركي. لذلك جاءت هذه الدعوة نوعاً من الهروب للأمام أكثر منها مناورة سياسية تهدف إلى تدارك نصف الهزيمة التي مني بها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة.
هذه الدعوة أتت وسط حربين يشنهما أردوغان على الأكراد و(داعش)، كنوع من العقاب للأكراد لدعمهم حزب الشعوب الديمقراطي الذي أدى إلى خسارة أردوغان وحزبه لأصوات انتخابية كثيرة وحجّمت قاعدته الشعبية في جنوب شرق تركيا ذي الغالبية الكردية، أما حربه ضد (داعش) فقد جاءت بعد أن تزايدت الضغوط على أنقرة للانخراط الجدي في الحرب ضد الإرهاب وإغلاق حدودها بوجه الإرهاب العابر إلى سورية والعراق، إضافة إلى توجيه الاتهامات لأردوغان وأفراد عائلته بتقديم الدعم لهذا التنظيم الإرهابي.
فبعد أن ذهبت أصوات الناخبين الأكراد على مدار ثلاث دورات انتخابية لحزب العدالة والتنمية، تحول مزاج الناخب الكردي لصالح حزب الشعوب الديمقراطي، بعد أن رأى انسداد آفاق حل القضية الكردية وشعوره برغبة العثمانيين الجدد بإخراجه من المعادلة السياسية الداخلية وإبقائه في دائرة الملف الأمني، وما يترافق مع ذلك من قمع ممنهج تمارسه الأجهزة الرسمية وغير الرسمية من خلال الاستهداف المباشر وخصوصاً بعد معركة عين العرب وظهور الأكراد في سورية كقوة يعتمد عليها التحالف الدولي بشكل أساسي في محاربة داعش.
الانتخابات النيابية التركية المزمع إجراؤها قد تكون بداية النهاية للمغامرة التي قام بها مجنونا أنقرة أردوغان وخادمه الأمين داود أوغلو، خصوصاً أن الجنود الأتراك بدؤوا بالعودة إلى مدنهم وقراهم في نعوش، ولن يطول الأمر حتى يحتدم النقاش في تركيا حول الغباء السياسي لهذا الثنائي الذي حوّل تركيا والمنطقة إلى سفينة نوح فيها من كل حيوانات الأرض زوجين، الأول لقتل الأبرياء والآمنين أما الثاني فسيتفرغ لقتال أحفاد السلاجقة والعثمانيين خصوصاً بعد أن اتهم (داعش) أردوغان بالخيانة ودعوته لأنصاره إلى إعادة فتح اسطنبول.