مين للغلابة.. يا بهية؟!

مثلما كان في حياته واضحاً وبسيطاً، ومتواضعاً، كذلك كانت جنازته التي شارك فيها الأصدقاء والمحبون، وعشاق كلمة الحق، والصرخة الجريئة في وجه الاستبداد والطغيان ومحاولات التدجين التي مارستها الإمبريالية العالمية والصهيونية الإسرائيلية المتحالفة مع الأنظمة العربية المتخلفة (شرّفت يا نيكسون بابا)..

رحل أحمد فؤاد نجم الذي حقق نجومية لا مثيل لها، واحتل قلوب عشاقه بمواقفه الشجاعة، ونضاله الدؤوب ضد التسلط ومن أجل العدالة الاجتماعية، والدفاع عن مصالح الفقراء والمهمشين، وسكان العشوائيات ومن أجل استقلال الوطن وسيادته. فاستحق بجدارة لقب شاعر الغلابة. إنه صوت من لا صوت لهم.. صوت المقهورين في (بهية) وسائر الدول التي ابتليت بظلم الأنظمة وبرعت في تشييد السجون (شيّد قصورك).. التي كان الشاعر من نزلائها، كما في عهد جمال عبد الناصر، وكذلك في عهد السادات. (الجبان.. جبان.. الجدع.. جدع).

لقد رفض أحمد فؤاد نجم مقابلة السادات الذي أبلغه عن طريق لطفي الخولي رغبته في لقائه في سجنه لإطلاق سراحه، فما كان منه إلا أن طلب مشترطاً إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين.

شكل أحمد فؤاد نجم مع الشيخ إمام، ظاهرة متميزة في تاريخ الغناء العربي الشعبي، فقد وفر للشيخ المادة الخام والكلمة الصادقة الجريئة المعبرة عن هموم وهواجس وتطلعات الشعب المصري، بكل ما يملك هذا الشعب من إرث حضاري وقدرة على الصمود في وجه الطغيان ومواجهة الاستبداد، بينما أمده الشيخ إمام بالألحان التي شكلت متفاعلة مع الكلمات الدافئة ما كون بيانات سياسية تحريضية استطاعت أن تحتل وجدان أبناء الوطن العربي مشكلة حالة وجدانية عامة، تلبي رغبات المظلومين، وتجسد مشاعر الغلابة ومحبي (الطعمية) فكانت الأغنيات عابرة للحدود وللأجيال.. تتداول في الاجتماعات العامة، وفي المظاهرات، وفي السجون، وفي المعتقلات، تلهم المواطنين عمالاً وفلاحين و(صنايعية)، وطلبة في الجامعات، فمن الصعب أن تجد عربياً لا يحب ويحترم أحمد فؤاد نجم ومواقفه الشجاعة.

لقد ربط أحمد فؤاد نجم القول بالفعل، والكلمة بالموقف، والصدق في المشاعر، والاستجابة السريعة للأحداث، والتنبؤ بمرارات القادم منها.. كل هذا وفر له انتشاراً واسعاً وعريضاً، فالشاعر عبر تاريخه المديد كان مشاركاً في كل الأعمال الاحتجاجية والمظاهرات، والأنشطة، المطالبة بالتغيير، وهو من الممهدين للتغييرات الأخيرة في مصر العربية، بمواقفه الواضحة والصريحة والجريئة، المعلنة شعراً ونثراً، ومن خلال مقابلاته التلفزيونية المفعمة بإصراره على كسر الفرعون، وإعادة الحياة إلى غيفارا من جديد.

رفض الراحل أن يغير منزله، وبقي مطلاً أو مشرفاً من سطحه على جماهيره العريضة، مراقباً حركتها الخارجية ومنفعلاً بحراكها الداخلي، متواصلاً مع الفقراء حتى في زيه الشعبي، وطريقة حديثه وبراعته في النكتة الواخزة، وعفويته وحضور البديهة لديه، وسخريته البارعة من الحكام الظالمين.

اختيار أحمد فؤاد نجم للمحكية (العامية المصرية) مكّنه من الخروج من مأزق الازدواجية بين اللغة الفصحى والمفردات اليومية، فاختار المحكية ليوائم بين ما يفكر به وما يكتبه، هذا التجانس وفر له شهرة في الأوساط الشعبية التي لامس قلوبها بمخاطبتها بملفوظها، مضيقاً المسافة بين الشعر كفن رفيع للخاصة إلى فن يعبر عن الاحتياجات اليومية لعموم أفراد الشعب.

استطاع نجم أن يطوع العامية لمتطلبات الشعر، كما ساعدته العامية على الذيوع والانتشار، وكان بذلك وفياً لتجارب سابقيه من شعراء العامية المصرية، كبيرم التونسي، وفؤاد حداد، وصلاح جاهين.

أحمد فؤاد نجم شاعر الهزات، وإحداث الاضطرابات وتكدير الأمن العام، وإثارة التحركات المناهضة للظلم، والتعبير عن روح الشعب المصري، وجميع المضطهدين والمقصيين، تميز بوضوح مواقفه من قضية الشعب العربي الفلسطيني ونضالاته العادلة.. (يا فلسطينية).

(لقد نجح أحمد فؤاد نجم في الرحيل، ومن الصعب أن يحالفه النجاح في الغياب).. سيبقى في وجدان محبيه طاقة تحريضية ونموذجاً للمواجهة، وتعبيراً صادقاً عن قضايا الفقراء وداعية سياسية للثورة على الظلم والاضطهاد بجميع ألوانه وأشكاله.

المجد لكم أيها الشعراء في أية أرض كنتم، يا من تحملون راية الكفاح، من أجل إنسانية بلا ظلم، وإنسان حر من كل القيود المكبلة له، وفي سبيل حياة يعمها السلام وتسودها المحبة والتآخي.. حياة لا تصادر فيها الأحلام وتلغى من قواميسها مفردات الظلم والاضطهاد والسجون.

العدد 1193 - 9/04/2026