سوريا بين السيادة الرقمية والارتهان التقني.. كيف يعيد مشروع (SilkLink) رسم حدود الدولة في عصر الكود؟

سليمان أمين:

مع دخول عام 2026، لم تعد سورية ساحة صراع تقليدي تُقاس خرائطه بخطوط النار، بل مختبراً لتحوّل أعمق: إعادة تعريف الدولة في عصر تتحول فيه السلطة من الجغرافيا إلى البيانات. في قلب هذا التحول يبرز مشروع (SilkLink)، الذي قُدّم للرأي العام بوصفه استثماراً تقنياً لإعادة تأهيل البنية التحتية الرقمية تحت مظلة stc (شركة الاتصالات السعودية). لكن خلف اللغة الاستثمارية المطمئنة، تتكشف معادلة جيوسياسية أكثر تعقيداً: من يملك الكود، يملك القرار.

 

الواجهة والعمق: بين الاستثمار والسيادة

في الخطاب الرسمي، بدا (SilkLink) مشروعاً تنموياً بامتياز: تحديث شبكات الاتصالات، بناء مراكز بيانات، إطلاق هوية رقمية موحدة، وربط المؤسسات الحكومية بمنصة مركزية. الرقم المتداول – 800 مليون دولار – منح المبادرة وزناً سياسياً، وأضفى عليها شرعية عربية في لحظة إقليمية حسّاسة.

غير أن التحليل الجيوسياسي لا يتوقف عند الأرقام. فالاستثمار في البنية الرقمية ليس كأي استثمار في طريق أو جسر. إنه استثمار في (العصب) الذي تمر عبره كل وظائف الدولة: السجلات المدنية، التحويلات المالية، الضرائب، الأمن، وحتى الانتخابات مستقبلاً. هنا لا يتعلق الأمر بشبكة إنترنت، بل ببنية سيادية.

حين تُدار الخوادم عبر شركات عابرة للحدود، وحين تُكتب أنظمة التشغيل خارج الحدود، يصبح السؤال مشروعاً: هل تبقى الدولة مالكة لمنصتها، أم تتحول إلى مستخدم داخل منظومة أكبر منها؟

 

الدولة كمنصّة: التحول الصامت

في الأدبيات المعاصرة، يُستخدم مفهوم (الدولة-المنصة) لوصف حكومات تعتمد على بنى رقمية لإدارة الخدمات العامة. الفكرة جذابة: تقليل الفساد، تسريع المعاملات، توحيد السجلات. لكن التجربة المقارنة تُظهر أن الرقمنة ليست إجراءً تقنياً محايداً، بل خياراً سياسياً يعيد توزيع السلطة.

فالانتقال من الورق إلى البيانات يعني نقل مركز الثقل من الموظف المحلي إلى مهندس النظام. من يحمل الختم لم يعد هو من يملك القرار؛ من يملك (السيرفر) هو من يملك القدرة على الإيقاف والتشغيل. في سياق دولة خارجة من حرب طويلة، حيث المؤسسات لا تزال في طور إعادة التشكل، يمكن لهذا التحول أن يعيد صياغة هرم السلطة من جذوره.

الطاقة والبيانات:

 

ممر واحد لسيادتين

يتقاطع هذا التحول الرقمي مع عودة سورية إلى شبكات الطاقة الإقليمية، وفي مقدمتها خط الغاز العربي. جغرافياً، تسير أنابيب الغاز غالباً بمحاذاة كوابل الألياف الضوئية. تقنياً، تعتمد شبكات الطاقة الحديثة على أنظمة تحكم رقمية متصلة بالإنترنت. النتيجة: اندماج غير مسبوق بين الأمن الطاقي والأمن المعلوماتي.

في عالم مترابط، لا يمكن فصل تدفق الغاز عن تدفق البيانات. أي خلل في أحدهما ينعكس على الآخر. ومن يتحكم في الممرات الجغرافية يتحكم – نظرياً على الأقل – في الشريانين معاً. هكذا تتحول السيادة إلى (حزمة واحدة): كهرباء وكود، أنبوب وألياف ضوئية.

 

النخبة الرقمية: بين الوقائع والهواجس

في الفضاء العام، تتداول روايات عن (نخبة رقمية عالمية) تستخدم شركات واجهة لتمرير استثمارات ضخمة، مستفيدة من مراكز مالية إقليمية مثل دبي. كما يُستحضر اسم Tom Barrack في سياقات تتعلق بالاستثمار في الشرق الأوسط، إلى جانب استدعاء ملفات Jeffrey Epstein بوصفها رمزاً لشبكات نفوذ عابرة للحدود.

لكن التحليل المسؤول يقتضي التمييز بين المخاوف المشروعة والسرديات غير المثبتة. لا توجد أدلة علنية تثبت وجود (نظام مالي كمي) يتحكم بالبنية الرقمية السورية أو يسحب التمويل بضغطة زر. غير أن انتشار هذه السرديات يعكس أزمة ثقة عميقة: الخشية من أن تكون الرقمنة بوابة لالتفاف ناعم على السيادة.

في بيئات ما بعد النزاع، حيث تختلط السياسة بالاقتصاد، يسهل أن تتحول الشركات إلى أدوات نفوذ. السؤال ليس إن كانت هناك مؤامرة كبرى، بل إن كانت بنية التعاقد والرقابة شفافة بما يكفي لمنع تضارب المصالح والارتهان.

 

الهوية الرقمية: أداة توحيد أم أداة احتكار؟

بحلول ربيع 2026، يُفترض أن يصبح (الرقم الوطني الرقمي) المدخل الإلزامي لكل معاملة: بيع عقار، قبض راتب، تسجيل شركة. من منظور إداري، يشكل ذلك خطوة نحو توحيد الفضاء القانوني. لكن من منظور سياسي، يعني إنشاء قناة وحيدة للشرعية.

في النظام الرقمي، لا يحتاج من يملك قاعدة البيانات إلى نشر دوريات في الشوارع. يكفي تعطيل الحساب. في مجتمعات مستقرة، تُوازن هذه القوة بقوانين حماية بيانات ومحاكم مستقلة. أما في سياقات انتقالية، فقد تتحول إلى أداة مركزية تعيد إنتاج الاحتكار تحت غطاء الحداثة.

 

التبعية الناعمة: عندما تُدار الحدود من بعيد

تسعى دمشق إلى الاندماج في منظومة إقليمية أوسع، سواء في الطاقة أو الاتصالات. هذا الاندماج يمنحها فرصاً للخروج من العزلة، لكنه يضعها أيضاً داخل شبكة تُدار من مراكز نفوذ خارجية. في هذا النموذج، لا تُقسَّم الدول عسكرياً، بل تُعاد صياغتها وظيفياً.

التبعية هنا ليست احتلالاً مباشراً، بل هي اعتماد تقنيّ ومالي يصعب الفكاك منه. الدولة التي لا تملك مركز بيانات وطني، ولا تطور برمجياتها، ولا تدرب كوادرها على أنظمة مفتوحة، تجد نفسها مضطرة لقبول شروط لا تصوغها بالكامل.

 

ما بين الواقعية والمبالغة

من السهل الوقوع في فخ الثنائية: إما اعتبار (SilkLink) مشروعاً إنقاذياً خالصاً، أو تصويره كحصان طروادة رقمي. الحقيقة، كما في معظم الملفات الجيوسياسية، أكثر تعقيداً. التحول الرقمي ضرورة لا يمكن تجاهلها. لكن الضرورة لا تعني التفويض المطلق.

الرهان الحقيقي لا يكمن في اسم الشركة المشغلة، بل في بنية الحوكمة: هل هناك إشراف برلماني؟ هل تُنشر تفاصيل العقود؟ هل تُحفظ البيانات داخل الأراضي السورية؟ هل توجد خطط لبناء قدرات محلية تقلل الاعتماد على الخارج؟

 

سؤال السيادة في عصر الكود

 

في القرن العشرين، كان الاحتلال يعني رفع علم أجنبي على مبنى حكومي. في 2026، قد يعني تعطيل نظام المدفوعات أو الوصول إلى قاعدة بيانات وطنية من خارج الحدود. السيادة لم تعد فقط أرضاً وحدوداً، بل قدرة على حماية البيانات والتحكم بالبنية الرقمية.

(SilkLink) ليس مجرد مشروع تقني. إنه مرآة لتحول عالمي أوسع، حيث تتنافس الدول والشركات على النفوذ عبر الخوارزميات، لا عبر المدافع. وسورية، الخارجة من عقد ونصف من الحرب، تجد نفسها أمام اختبار مضاعف: كيف تعيد بناء دولتها من دون أن تؤجر مفاتيحها.

الإجابة لن تأتي من خطاب سياسي ولا من بيان استثماري. ستأتي من تفاصيل العقود، ومن قدرة الدولة على التفاوض، ومن إرادتها في الاستثمار في المعرفة المحلية. بين دولة تمتلك كودها، ودولة تستخدم كود غيرها، مسافة سيادية شاسعة. وفي تلك المسافة يتحدد شكل سورية في العقد القادم: فاعل رقمي مستقل، أم مستخدم داخل شبكة لا يملك كلمة السر الخاصة بها.

العدد 1188 - 25/02/2026