سورية 2026: الإنعاش الملياري بين منطق الاستثمار وحدود السيادة
سليمان أمين:
في لحظة تبدو فيها سورية وكأنها تخرج شكلياً من نفق الحرب، تعود لغة الأرقام المليارية إلى صدارة المشهد السياسي والاقتصادي. عقود طاقة واتصالات، تحالفات دولية عابرة للأقاليم، وخطاب رسمي يُروّج لما يشبه (خطة إنعاش) كبرى. غير أن القراءة الجيوسياسية الباردة، تكشف أن المسألة أبعد من كونها تدفق رساميل، وأقرب إلى إعادة هندسة الدولة السورية ووظيفتها في النظام الإقليمي والدولي.
السؤال المركزي ليس ما إذا كانت سورية بحاجة إلى الاستثمار – فهي بلا شك بحاجة ماسة إليه – بل أي نوع من الاستثمار، وبأي شروط، وعلى حساب من؟
أرقام كبيرة.. وأفق زمني مؤجل
في أيار (مايو) 2025، أُعلن عن توقيع عقود في قطاع الطاقة تُقدَّر قيمتها بنحو سبعة مليارات دولار، تبعها في كانون الثاني (يناير) 2026 عقد في قطاع الاتصالات بقيمة مليار دولار. هذه الأرقام، حين تُقرأ خارج سياقها، توحي بعودة الثقة الدولية وبداية دورة اقتصادية جديدة. لكن التجربة المقارنة في دول ما بعد الصراع تشير إلى أن حجم الاستثمار لا يُقاس فقط بقيمته الاسمية، بل بقدرته على تحسين شروط العيش خلال المدى القصير والمتوسط.
المشكلة أن هذه المشاريع، بحكم طبيعتها الإنشائية والتقنية الثقيلة، لن تُترجم إلى كهرباء مستقرة أو إنترنت ميسّر قبل 2027 أو 2028. في المقابل، تُطبَّق منذ الآن شروط مالية صارمة، أبرزها رفع الدعم عن المواد الأساسية وتحرير تدريجي للأسعار، بوصفها (إصلاحات ضرورية) لجذب المستثمرين. هكذا ينشأ اختلال واضح بين كلفة آنية يتحملها المجتمع، وعائد مؤجل لا يملك ضمانات اجتماعية صلبة.
تحالف دولي.. ومصالح محسوبة
تقف خلف هذه الاستثمارات بنية دولية متعددة الأطراف، تضم تحالفاً قطرياً–تركياً–أمريكياً، تشارك فيه شركات كبرى مثل UCC وKalyon وPower International. وقد لعب المبعوث الأمريكي توم باراك دور مهندس الترتيبات، مدعوماً بضمانات سياسية من شخصيات نافذة في الكونغرس، أبرزها السيناتور ليندسي غراهام.
من زاوية جيوسياسية، لا يُمكن فصل هذه العقود عن إعادة تموضع الولايات المتحدة في سورية: انسحاب عسكري تدريجي يقابله حضور اقتصادي–تقني متزايد. فالنفوذ لم يختفِ، بل غيّر أدواته. وبدلاً من القواعد العسكرية، باتت عقود الكهرباء والاتصالات تؤدي وظيفة استراتيجية مماثلة، عبر التحكم غير المباشر بمفاصل الحياة اليومية.
الخصخصة المقنّعة لقطاعات سيادية
رسمياً، تُقدَّم هذه الاتفاقات بوصفها شراكات استثمارية. عملياً، هي نقل طويل الأمد لإدارة قطاعات سيادية – الطاقة والاتصال – إلى شركات أجنبية، بعقود تمتد لسنوات طويلة، وبهوامش محدودة للرقابة العامة. هذا التحول يثير إشكالية كلاسيكية في الاقتصاد السياسي: متى يتحول الاستثمار إلى خصخصة مقنّعة؟ ومتى تصبح الدولة مجرد ضامن قانوني لمصالح رأس المال الخارجي؟
في الحالة السورية، تتفاقم هذه الإشكالية بسبب ضعف المؤسسات، وغياب برلمان فاعل، وانعدام الشفافية حول تفاصيل العقود. ما يُطلب من المجتمع هو الثقة، لا المشاركة، والانتظار، لا المساءلة.
شارع منقسم بين الواقعية والخوف
يعكس الرأي العام السوري هذا التوتر. فهناك تيار (واقعي) يرى في سياسات أحمد الشرع براعة تكتيكية: ربط مصالح القوى الكبرى بسورية هو، برأيهم، بوليصة تأمين ضد الفوضى والعودة إلى الحرب. من هذا المنظور، تبدو السيادة مفهوماً نسبياً، أقل أهمية من إنهاء الظلام والانهيار.
في المقابل، يرى تيار آخر أن البلاد تنزلق نحو نموذج (الدولة–الشركة)، حيث يُدار الوطن كملف استثماري، ويُختزل المواطن إلى مستهلك خدمات لا شريكاً في القرار. هذا التيار لا يرفض الإعمار، لكنه يشكك في منطقه الاجتماعي، ويتخوف من إعادة إنتاج التبعية بأدوات ناعمة.
خطاب الصبر.. وحدوده السياسية
تتكرر حجة مفادها أن السوريين صبروا عقوداً، ويمكنهم الصبر سنوات إضافية حتى تؤتي الاستثمارات ثمارها. غير أن هذا الخطاب يتجاهل فارقاً أساسياً بين صبر فُرض بالقوة في ظل نظام مغلق، وصبر يُطلب اليوم مقابل وعود اقتصادية غير ملموسة.
في التحليل السياسي، الصبر ليس فضيلة بحد ذاته، بل وظيفة مرتبطة بوجود أفق واضح وعقد اجتماعي جديد. ما يحدث حالياً هو تحميل الفئات الأضعف كلفة الانتقال، دون ضمانات كافية بأن هذا الانتقال سيعمل لصالحها.
من الحرب إلى الارتهان الاقتصادي
يمكن القول إن سورية انتقلت من ساحة حرب مفتوحة إلى ساحة ارتهان اقتصادي–تقني. فالسيطرة لم تعد تُمارَس عبر السلاح، بل عبر الشبكات والبنى التحتية والعقود. دولة (تتنفس) عبر منظومات يملك مفاتيحها ممولون خارجيون، تظل دولة محدودة السيادة، حتى لو غابت الدبابات عن شوارعها.
هذا النمط ليس استثناءً سورياً، بل جزء من ظاهرة أوسع في دول ما بعد النزاعات، حيث يُستبدل التدخل العسكري المباشر بهيمنة اقتصادية طويلة الأمد.
ما الذي يمكن فعله؟
البديل ليس في رفض الاستثمار أو التلويح بشعارات سيادية مجردة، بل في إعادة التوازن. أولاً، الشفافية الكاملة: نشر تفاصيل العقود، ومددها، وآليات فض النزاعات، وحصص الدولة الفعلية. ثانياً، الانتقال من الاحتفاء بالأرقام إلى قياس النتائج الاجتماعية: كهرباء متاحة، خدمات ميسّرة، وحماية للفئات الهشة.
ثالثاً، توطين جزء من السيادة الاقتصادية عبر حماية الشركات والخبرات السورية، ومنع تحول السوق المحلي إلى هامش تابع لرأس المال الأجنبي. فالإعمار الذي لا يخلق طبقة إنتاج محلية هو إعمار هش، مهما بلغ حجمه.
خاتمة: اختبار الدولة
سورية اليوم أمام اختبار يتجاوز مسألة الإعمار. إنه اختبار تعريف الدولة نفسها: هل هي وسيط بين رأس المال والمجتمع، أم فاعل سيادي يوازن بين الاستثمار والعدالة الاجتماعية؟ الإنعاش الذي يبدأ بعقود مليارية وينتهي بمواطن أكثر فقراً هو انتعاش على الورق فقط. أما الخروج الحقيقي من عنق الزجاجة، فيبدأ بالاعتراف بأن السيادة التي لا تُترجم خبزاً وكهرباء وكرامة، تبقى سيادة ناقصة، مهما حسنت عناوينها.