أربعة استحقاقات قادمة: هل تتموضع سورية ببداية مسار الاقتصادات الناشئة بعد تجاوز أعناق الزجاجات؟

د. زياد أيوب عربش:

* لم يعد مُغرياً الإبهار بالأقوال، دون خارطة طريق للنهوض (رفع سعر الكهرباء: نجحت العملية لكن المريض ازداد اعتلالاً).

+ هل سنقطف ثمار المشاريع الاستراتيجية (ملتقيات وعقود الاستثمار مع الدعم الخليجي والتركي) والمؤسسات الدولية للإصلاح الاقتصادي (الموازنة والسياسة التجارية والضريبة والمالية والنقدية، والتنمية الصناعية والزراعية الغائبتين)؟

+ لم تَقْوَ الليرة السورية وسعر صرفها رغم تبديلها، وبضغوط تضخمية وانخفاض القدرة الشرائية.

+ ماذا سنفعل بعوائد النفط والغاز المُستعاد، وبعد إمداد المصافي؟ أنبقى أسيري منطق الريع أم ننتقل هذه المرة إلى مقاربة تنموية مستدامة، مع ازدياد عوائد تصدير الفوسفات (التي وحدها ستصل إلى مليار دولار خلال سنتين، ودون غسيل وتجفيف وتصنيع متقدم)؟

+ ما العمل بعد ترشيد المواطنين (القسري) لاستهلاك الكهرباء واللجوء لمُعامِلات الإحلال (المازوت) والاستبدال على حساب الإنتاحية ودون تنامي تحصيل الفواتير المرهقة؟

+ – : هل سنقع في (فخ الزمن) بالتخلص العاجل للأوراق القديمة؟ فرغم تسهيل التعامل النقدي مع تبديل العملة، لم يُعلن عن أية خطة مالية مصرفية نقدية للنهوض بقنوات الإقراض وبقينا حبيسي سياسة حبس السيولة ودون إعادة تقييم لليرة، حيث سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية لم يتغير جوهرياً، بل استمرت الضغوط التضخمية وانخفاض القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار!

 

التفاصيل للنقاط التالية

 

* استعادة حقول النفط والغاز: بين الاكتفاء الوهمي والتنمية الملحة.

* رفع سعر الكهرباء: نجحت العملية لكن المريض ازداد اعتلالاً.

* مراهنات على تصدير كميات متنامية من الفوسفات، ولكن.

 

بعد استعادة الحقول النفطية والغازية الرئيسية في مناطق الشرق والشمال الشرقي، من المتوقع تحقيق إنتاج اضافي من النفط من مستوى حالي (٩٠-١٠٠ ألف برميل/ يوم) إلى ١٥٠ ألف ب/ي قبيل نهاية العام الجاري بفضل إعادة تشغيل حقول عديدة (كالعمر والرملة).  مما سيسمح تدريجياً بتقليص الاستيراد (من الخام ومشتقاته) من ٨٥% قبل عام ٢٠٢٥ إلى أقل من ٢٠% اليوم. ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري: ماذا سنفعل بالفائض الذي سيتكون بعد سنة ونصف أو سنتين، مع تطوير حقول إضافية حالية كما الحال في حقول السورية للبترول ذات النفط الثقيل كالسويدية ورميلان وكراتشوك حيث يعتبر حقل السويدية النفطي الى جانب حقل عمر والرصافة من الحقول الكبيرة الى جانب حقل الشاعر للغاز، فهل سنستخرج بهدر دون تنمية، أم نستغل عوائده الاقتصادية؟

 

الهدر المستمر: نموذج قديم يهدد الاستدامة

فرغم الاكتفاء الظاهري، يعاني القطاع من هدر هائل. يُفقد نحو 30-40% من الإنتاج بسبب تسربات الأنابيب القديمة، غياب الصيانة، وعدم كفاءة مصفاتي بانياس وحمص، التي تعمل بطاقة 60% فقط. أما تخصيص الاستيراد للمشتقات (مثل البنزين والديزل اي المازوت الثقيل) فيغطي النقص، لكنه يستهلك احتياطيات العملة الأجنبية، مما يفاقم التضخم. في السابق، كان الاعتماد على الاستيراد مع دعم غير رشيد يشجع على الإسراف، لكن اليوم، مع الفائض النسبي المتوقع، هل سيستمر الهدر دون خطة تنموية. هل نكتفي بـ(توفية القطع)، أم نبني صناعات قائمة على التقانة؟

 

الكهرباء: نجحت العملية لكن ازداد المريض سقامةً

قد نبالغ بالتعبير لكن عندما كانت الكهرباء رخيصة جداً وما كنت أسميه (ملطشة) (كل شيء على الكهرباء) كان الإنتاج بالكاد يكفي خُمس الطلب، مع انقطاعات تصل إلى ٢٠ ساعة يومياً في دمشق مثلاً. الآن، بعد الرفع غير العقلاني لسعرها، أصبحت في العاصمة تأتي ٢٢ ساعة، فنجحت العملية لكن المريض ازداد اعتلالاً حيث نسبة التحصيل مازالت متدنية وكأننا ضمن معركة كسر عظم او عصيان قسري غير معلن، حيث جزء بسيط مِن مَن يستعلم عن الفاتورة يسدد! فالرفع السعري دون تحسين الكفاءة يؤدي الان (إلى جانب غياب سياسة اقتصادية بملامح واضحة) إلى انهيار الصناعات الصغيرة والأجواء الى المزيد من المولدات الخاصة، التي تستهلك وقوداً مستورداً. هذا التناقض يعكس فشل السياسات: زيادة الإنتاج دون تنويع المصادر أو تشجيع الادخار والاستثمار في كفاءة الطاقة.

 

استغلال الفائض: فرص التنمية الاقتصادية

بدلاً من الهدر، يمكن تحويل الفائض إلى محرك تنموي، من خلال تطوير صناعات المحتوى الرقمي الغائبة عنها سورية. فرغم حضور وفود عديد وعقد عدة ملتقيات للمغتربين، مازال عدد الشركات المسجلة والتي تستهدف السوق الداخلية هزيلاً. وبدل الرهان على مكامن توفير الهدر في انتاج وتوزيع الكهرباء مازلنا نفضل إضافة استطاعات جديدة. أيضاً، لا يجوز عقلانياً الرهان على تصدير كميات متنامية من الفوسفات الخام دون تطوير الصناعات المبنية عليه وخاصة الاسمدة.

في الختام نشدد على أن الاكتفاء ليس نهاية والحلول القسرية قد تعطي نتائج عكسية ان لم نتجاوز مرحلة التحول الطاقوي الضرورية.

ان استغلال الفائض يمكن أن يعيد سورية إلى دائرة الاقتصادات الناشئة، شريطة الابتعاد عن الهدر والاعتماد على الاستدامة.

 

المصدر: صفحة جمعية العلوم الاقتصادية

العدد 1188 - 25/02/2026