أما آن لهذه الذهنية أن تتغير؟
صدر قانون الإدارة المحلية الجديد ضمن حزمة هامة من القوانين التي وُعدنا بأن تكون حملة واسعة ممتدة في مسار الإصلاح والتغيير الديمقراطي.
وجرت الانتخابات وفق هذا القانون، وأمل المواطنون أن تأتي هذه الانتخابات بمجالس إدارة محلية من طراز جديد، وبغض النظر عن مصداقية هذه الحملة كلياً أو جزئياً.. فقد لمسنا تغيراً ناعماً في هذا السياق، وإن لم تتبدل الصورة الكلية بشكل ملموس ومرضٍ.
إن خير ما أنتجته التجربة هو ولادة ما يسمى بلجان الأحياء، وقد اختيرت بهذا الشكل أو ذاك، وشكلت نقلة نوعية في الاعتماد على المشاركة الشعبية وتوسيع دائرة الاستئناس برأي الناس. وكنا نأمل في أن تكون مجالس الإدارة المحلية ووليدها لجان الأحياء، هيئات فاعلة تُشرف بحق وتقرر وتمارس عمل الرقابة الشعبية والمشاركة الجمعية، كي تكون بديلاً عن عقلية الاحتكار السياسي والاستئثار الاجتماعي الذي كان يتمثل في المادة الثامنة من الدستور السابق، ومع امّحاء هذه المادة انتعش الأمل في أن يكون التنوع والتعددية معياراً للعمل الوطني والشعبي.
وسرعان ما تبخر هذا الأمل مع استمرار ذهنية احتكار العمل السياسي والاجتماعي من قبل حزب بعينه دون غيره.. وفي الوقت الذي لا ينبغي أن نقلل من أهمية الدور الذي يلعبه هذا الحزب في متابعة حل المسائل الشعبية، مثل الإشراف وإنجاز توزيع مواد وسلع أساسية، مثل المحروقات والغاز وغيرهما من المواد التموينية الحيوية، لابد من الإشارة إلى أن هذه الصيغة قديمة ويجب أن لا تستمر.. وإذا كنا نغالي إذا قلنا واقترحنا مشاركة هيئات المجتمع المدني بكل الجرأة والشفافية، فليس من المغالاة قطعاً إذا اقترحنا أن تكون لجان الأحياء هي الإطار المناسب لممارسة هذه المشاركة السياسية والشعبية.
بعد الدستور الجديد، مازلنا نرى أن مجالس الأحياء والهيئات الشعبية التطوعية مبعدة إبعاداً شبه مطلق عن التقرير في بعض الشؤون، مثل تشكيل اللجان الانتخابية، وتوزيع المواد، وتقرير الخدمات والمنافع لسائر جماهير الشعب.. كما لانزال نشهد اللامبالاة في التشاور والاستئناس في سياق تقرير مصير الكثير من الاستحقاقات.
إن التصدي للجماعات التخريبية إنما يتجلى في توسيع التشاور لخلق المناخ الأنسب للمصالحة الوطنية والحوار الشامل من أجل الوطن والشعب، ويصبح هذا الإجراء أكثر إلحاحاً من أجل ولادة روح التوافق والمواءمة لتنشيط المسار الديمقراطي ووضع حد لروح الاستئثار والانقسام المجتمعي الحاد الذي يعطل المصالحة وتعزيز الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة، وبذلك يتوازى خطّا تأمين الأمن للمواطنين من جهة، والتسريع في وتيرة الإصلاح من جهة أخرى.