سؤال برسم وزارة الزراعة: هل يعقل أن نستورد بعد أن كنا مصدرين؟
إهمال الحكومات المتعاقبة.. رفع أسعار البيض والفروج
قضية مازالت عالقة بين الأخذ والرد والاجتماعات والتصريحات دون البدء بخطة إسعافية لإنقاذ قطاع هام يتعرض لخسائر فادحة، وتنعكس خسائره على الاقتصاد بالدرجة الأولى، وعلى المربي بالدرجة الثانية، ومن ثم على المستهلكين وخاصة ذوي الدخل المحدود، بالدرجة الثالثة.
قضية مربي الدواجن (والسبع دوخات)، ظروف قاسية تمر على سورية، ألقت بظلالها السلبية على شتى المجالات الاقتصادية، وبضمنها هذا القطاع الحيوي. وتمثلت صعوباته وفق الكثير من التقارير والتصريحات بصعوبة توفير المواد العلفية للدواجن، وكذلك الأمر بالنسبة للقاحات الطبية، فضلاً عن صعوبة تأمين مادة المازوت المستعملة إما للتدفئة أو التكييف الخاص بالمداجن.. وزادها أخيراً ارتفاع تعرفة الكهرباء، وبرنامج التقنين الذي مازال مستمراً منذ أكثر من عام. وبالطبع يعاني المربون الأمرّين في تأمين مختلف الاحتياجات، مما يهدد هذا القطاع بالخسارة المؤلمة لجميع الأطراف.
وقد تحدث الكثير من مربي الدواجن عن خطر فقدان الفروج من الأسواق خلال شهرين.. وحقاً بدأنا نلمس الآثار التي تسبق فقدان المادة، ألا وهي ارتفاع الأسعار، إذ وصل سعر كيلو الفروج إلى 340 ليرة، وأصبح كيلو الشرحات منه ب520 ليرة، وأصبح سعر فروج البروستد 600 ليرة، ووصل سعر صحن البيض إلى 300 ليرة سورية. مع العلم أن سورية تحتل المرتبة 48 عالمياً بإنتاج لحم الدجاج من أصل 237 دولة، بإنتاج نحو 182 ألف طن من اللحم، وفي المرتبة 39 عالمياً بإنتاج البيض من أصل 239 دولة. وبحسب تقرير منظمة التنمية الزراعية العربية في نهاية عام ،2011 فإن سورية تحتل المرتبة الرابعة عربياً في إنتاج البيض والفروج، وذلك بإنتاج يتراوح بين 4 و5 مليارات بيضة، متقدمة بمرتبة واحدة على المستوى العربي، وبالتالي فإن حصة السوري الواحد تتراوح بين 200 و250 بيضة سنوياً، بمعدل بيضة يومياً.
والسؤال هنا: أين نحن الآن من هذه الأرقام والإحصائيات الإيجابية على المستوى العالمي والعربي ومن سعر هاتين المادتين اللتين مازالتا تحلقان في العنان؟ وهل حقاً ستشهد أسواقنا المحلية دجاجاً وبيضاً أوربياً مستورداً ومثلجاً في حال لم تُتدارك صعوبات قطاع الدواجن المزمنة؟
وزير الزراعة صبحي العبد الله كان قد أوضح في اجتماعه مع مربي الدواجن أن الوزارة تسعى لضمان وصول منتجات البيض والفروج إلى الأسواق، ووصول الأعلاف إلى مربي الدواجن، مشيراً إلى أنه يجب على المربين تحمّل الظروف الراهنة والقبول بربح مقبول من أجل تحقيق مصلحة المنتج والمستهلك في آن معاً. ولكن الحقيقة ليست في تحمل المربين الظروف الراهنة، بل القضية في المعاناة الدائمة والمزمنة لهذا القطاع منذ ما قبل الأزمة الراهنة التي تمر على القطر.. إذ لم يمر عام أو فصل أو شهر إلا وتأرجحت أسعار البيض والفروج. والأسباب باتت معروفة وواضحة لدى جميع الأطراف حتى للمستهلك، ولكن دون وضع حلول تحد من هذه الصعوبات التي احتقنت أكثر نتيجة الأحداث الراهنة.
فكثيراً ما قرأنا أن قطاع الدواجن يعاني عدم التنظيم، إذ هو قطاع عشوائي، كما أنه لم يوضع تحت مظلة الدعم، ولم يشمله صندوق الدعم الزراعي، برغم أنه قطاع حيوي ورافد حقيقي للاقتصاد الوطني. وكثيراً ما نفاجأ بقرارات حكومية تفرض ضميمة على المواد العلفية، وأعتقد أنها مازالت مستمرة، وخاصة على واردات القطر من حبوب الذرة الصفراء وكسبة الصويا، إضافة إلى الأدوية البيطرية التي يفرض عليها أيضاً رسم اللصاقة التي تحدث عنها الكثيرون.. إضافة إلى صعوبات تأمين مادة المازوت للمربين. واعتدنا في كل عام أن نسمع الجدل بين الحكومة وبين المربين وبين المستهلكين حول قضية فتح باب التصدير للبيض والفروج أو إغلاقه، إذ إن فتح باب التصدير يحقق مكاسب للمربين ويعوضهم عن خسائرهم، في حين نجد المستهلك يرفض ذلك لأنه يدفع فارق السعر من جيبه دون أن نقف على حل وسط يرضي الطرفين ويحقق الفائدة لكليهما، وبالتالي كانت النتيجة تأرجحاً في الأسعار، من ارتفاع مستقر أو من ارتفاع شاهق دون انخفاض، ومن ثم المرحلة الأخطر التي نخشاها وهي فقدان السلعة من السوق.
وهنا لابد من التنبيه إلى أن خسائر قطاع الدواجن تؤدي إلى خروج عدد كبير من المربين، فالتقارير تذكر أن مهنة تربية الدواجن تشغل نحو خمس القوى العاملة في سورية، وبالتالي فإن هذه النسبة ليست بقليلة، وخروجها إلى سوق البطالة يؤدي إلى (زيادة الطين بلة)، في ظل البطالة التي انتشرت كثيراً في الآونة الأخيرة، بخروج الكثير من القطاعات المنتجة من سوق العمل.
معظم المواد العلفية في حال أُمنت أصبحت مرتفعة الثمن بنسبة 400%، إذ تقدر دراسة أجراها المركز الوطني للسياسات الزراعية أن نحو 90% من مكونات علف الدواجن في سورية مستوردة من الخارج، وبالطبع فإن العقوبات الاقتصادية الجائرة والظالمة أثرت على تأمين المواد العلفية، إضافة إلى ارتفاع سعر صرف الدولار، أي أن الارتفاع في أسعار هاتين المادتين هو ارتفاع طبيعي في ظل العوامل السابقة، إضافة إلى عامل النقل وهو عامل هام، لأنه يرتبط بنقل المواد من المصدر إلى المدجنة ومن المدجنة إلى السوق.
على من يقع اللوم؟
في حقيقة الأمر وزارة الزراعة لم تحتوِ هذا القطاع، وفي حال أرادات احتواءه، فإنها تأخرت كثيراً في تنظيمه ودعمه والوقوف على مشكلاته وحلها، وتوفير البدائل له من مواد علفية ولقاحات وغيرها. كما أنه لا يوجد لهذا القطاع أي ملامح أساسية واستراتيجية. أي أن هذا الارتفاع في الأسعار لم يكن نتيجة العقوبات والأحداث المؤسفة فقط، بل كان نتاجاً لتراكمات مزمنة من الإهمال لهذا القطاع، فمؤسسة الأعلاف لا تغطي سوى 18-20% من الاحتياج الكلي للأعلاف، على الرغم من أن هذا القطاع ليس وليد اليوم أو العام أو العامين، لذا كان من الأجدى أن تعمل وزارة الزراعة على تأمين متطلبات هذا القطاع من العلف محلياً، بدلاً من تركه يتخبط بين الداخل والخارج وارتفاعات سعر الصرف والعقوبات. وهنا نشير إلى ضرورة التوسع في زراعة المواد العلفية، وأن يخصص لها مساحات كافية بحيث تحقق توفير المواد العلفية الخاصة بهذا القطاع على نحو لا يقل عن 80%. أي لماذا لا نعكس المعادلة فيصبح استيرادنا 20%، وإنتاجنا المحلي 80%؟
ما نود قوله في النهاية أننا نملك الخبرة والأرضية والمهارة في هذا القطاع، وكثيراً ما حمانا في أوقات الأزمات الاقتصادية السابقة. فلماذا لا تعتني الجهات الحكومية بهذا القطاع الحيوي كخطوة وفاء؟ ولماذا لا نخفف عن المربي ونُزيل بعض تشعب التكاليف المفروضة عليه؟ ولماذا لا ننظم المهنة وندعمها لتصبح أكثر وأفضل جودة، وتكون قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية؟ العقوبات لها إيقاع سلبي على مختلف القطاعات، ولكن الظروف الراهنة تحتم علينا أن نعزف على وتر الاعتماد على الذات وتحمل المسؤولية أكثر.