الشعب السوري بين الواقع المعيشي المتدهور وخصخصة المؤسسات الخدمية..

 أزمة الشرعية والتمثيل في مرحلة انتقالية مضطربة

سليمان أمين:

في المدن السورية الكبرى كما في الأرياف المنهكة، تبدو الحياة اليومية اختباراً مفتوحاً لقدرة السكان على التكيّف مع سلسلة ممتدة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فمنذ أكثر من عقد، لم تعد معاناة السوريين مرتبطة بالحرب وحدها، بل باتت مرتبطة أيضاً بانهيار البنية الخدمية، وتآكل القدرة الشرائية، وتراجع دور الدولة التقليدي في توفير الحد الأدنى من الخدمات العامة. وفي خضم هذه الظروف، تصاعدت النقاشات حول توجهات الحكومة الانتقالية المؤقتة نحو بيع بعض المؤسسات الخدمية أو خصخصتها، وسط غياب واضح لآليات المشاركة الشعبية التي تمنح مثل هذه القرارات شرعية سياسية وقانونية.

اقتصادياً، يعيش السوريون واحدة من أشد الأزمات المعيشية في تاريخ البلاد الحديث. فقد أدى تراجع الإنتاج، وانخفاض قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم، إلى تآكل الدخول الحقيقية للأسر. وأصبح راتب الموظف الحكومي، في كثير من الحالات، عاجزاً عن تغطية احتياجات أسبوع واحد، فضلاً عن شهر كامل. هذا الواقع دفع شرائح واسعة إلى الاعتماد على التحويلات الخارجية، أو الأعمال غير الرسمية، أو المساعدات الإنسانية، فيما ازدادت معدلات الهجرة الداخلية والخارجية بحثاً عن فرص نجاة اقتصادية.

في المقابل، تراجعت جودة الخدمات الأساسية بصورة لافتة. فالكهرباء رُفعت أسعارها إلى مستويات قياسية وجنونية تفوق قدرة معظم المواطنين على تسديد الفواتير، ما جعل الحصول على التيار المنتظم عبئاً مالياً إضافياً على الأسر المنهكة أصلاً. كما تعاني شبكات المياه من الأعطال ونقص الصيانة، ويفتقر النقل العام إلى التنظيم والكفاءة، بينما يواجه القطاع الصحي ضغوطاً هائلة نتيجة نقص الكوادر والتمويل والمعدات. أما التعليم، الذي كان لعقود أحد أعمدة الدولة السورية، فقد أصابه ما أصاب بقية القطاعات من تراجع البنية التحتية ونقص الموارد وارتفاع نسب التسرّب المدرسي.

في ظل هذا المشهد، برزت سياسات اقتصادية تقوم على تقليص دور الدولة المباشر، وفتح الباب أمام القطاع الخاص لإدارة أو شراء مؤسسات خدمية كانت تُعد تقليدياً من الممتلكات العامة. وتبرر الجهات المؤيدة لهذه التوجهات ذلك بالحاجة إلى استثمارات عاجلة، وبأن الدولة لم تعد قادرة مالياً وإدارياً على تشغيل هذه القطاعات بالكفاءة المطلوبة. كما ترى أن الخصخصة قد تجلب خبرات جديدة، وتقلل الهدر، وتحسن مستوى الخدمات.

غير أن هذه الحجج، رغم وجاهة بعضها نظرياً، تصطدم بجملة من الاعتراضات الواقعية. أول هذه الاعتراضات أن الخصخصة في الدول المستقرة تختلف جذرياً عن الخصخصة في بيئات هشة تعاني من ضعف المؤسسات وغياب الشفافية. ففي الحالة السورية، يخشى كثيرون أن تتحول عملية بيع المؤسسات الخدمية إلى نقل للأصول العامة إلى شبكات مصالح ضيقة، بدل أن تكون إصلاحاً اقتصادياً حقيقياً. كما أن غياب المنافسة الفعلية، وضعف الرقابة القضائية والإدارية، قد يجعل من الخصخصة باباً للاحتكار بدل الكفاءة.

الاعتراض الثاني يتعلق بالعدالة الاجتماعية. فالخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، ليست مجرد سلع تجارية، بل هي حقوق اجتماعية ترتبط بكرامة الإنسان واستقرار المجتمع. وعندما تُدار هذه القطاعات بمنطق الربح الصرف، فإن الفئات الفقيرة تكون أول المتضررين، سواء من خلال ارتفاع الأسعار أو تراجع الوصول المتكافئ إلى الخدمة. ومن هنا، يتخوف مراقبون من أن تؤدي خصخصة غير مدروسة إلى توسيع الفجوة الطبقية في مجتمع أنهكته الحرب أصلاً.

أما الاعتراض الثالث، والأكثر حساسية، فيرتبط بمسألة الشرعية السياسية. فالقرارات الكبرى التي تمس الملكية العامة ومستقبل الاقتصاد الوطني تحتاج، في العادة، إلى تفويض شعبي واضح، سواء عبر برلمان منتخب، أو استفتاءات عامة، أو مؤسسات تمثيلية مستقرة. لكن سورية تعيش حالة انتقالية معقدة، تتداخل فيها السلطات، وتتعدد مراكز النفوذ، وتغيب فيها الآليات الديمقراطية المكتملة. لذلك يرى منتقدون أن أي تصرف طويل الأمد في أصول الدولة خلال هذه المرحلة يفتقر إلى السند الشعبي الكافي.

ويذهب بعض القانونيين إلى أن الحكومات الانتقالية، بحكم طبيعتها المؤقتة، يُفترض أن ينحصر دورها في إدارة الضرورات العاجلة، والحفاظ على المؤسسات، وتهيئة الظروف لانتقال سياسي شامل، لا اتخاذ قرارات استراتيجية يصعب التراجع عنها لاحقاً. فبيع ميناء، أو خصخصة شبكة كهرباء، أو منح امتيازات طويلة الأمد في قطاع المياه، هي قرارات تتجاوز عمر الحكومات المؤقتة، وتمس أجيالاً لاحقة لم تُستشر بشأنها.

في الشارع السوري، لا تُقرأ هذه السياسات بلغة الاقتصاد فقط، بل بلغة الثقة المفقودة. فالمواطن الذي يقف ساعات للحصول على متطلباته الأساسية، أو يعجز عن دفع أجرة النقل وفاتورة الكهرباء، ينظر بريبة إلى أي حديث عن بيع الممتلكات العامة، بينما لا يلمس تحسناً فعلياً في حياته اليومية. وتزداد هذه الريبة حين تغيب البيانات الرسمية التفصيلية، ولا تُنشر العقود، ولا تُعرف شروط الشراكات، ولا توجد منصات مساءلة مستقلة.

مع ذلك، لا يمكن إنكار أن سورية تواجه أزمة تمويل حادة، وأن إعادة تأهيل البنية التحتية تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة قد لا تتوفر من الخزينة العامة وحدها. ولهذا، فإن البديل ليس بالضرورة رفض كل شراكة مع القطاع الخاص، بل بناء نموذج مختلف يقوم على الشفافية والمنافسة والرقابة والعدالة. يمكن، مثلاً، اعتماد عقود تشغيل محددة المدة بدل البيع النهائي، أو إنشاء هيئات تنظيم مستقلة، أو تخصيص نسب من الأرباح لتحسين الخدمات ودعم الفئات الأشد فقراً.

كما أن أي إصلاح اقتصادي جاد ينبغي أن يسبقه إصلاح مؤسسي وسياسي. فالمستثمر الجاد يحتاج إلى قضاء مستقل، والمواطن يحتاج إلى برلمان يراقب، والإدارة تحتاج إلى قواعد واضحة تمنع تضارب المصالح. ومن دون ذلك، ستظل الخصخصة موضع شك، مهما كانت عناوينها براقة.

في المحصلة، لا تختزل الأزمة السورية في نقص الموارد فقط، بل في أزمة ثقة وتمثيل وشرعية. فالشعب السوري الذي دفع أثماناً باهظة خلال سنوات الصراع، يطالب اليوم بما هو أكثر من حلول مالية سريعة؛ يطالب بحق المشاركة في تقرير مستقبل بلاده، وبضمان ألا تتحول ممتلكاته العامة إلى صفقات تُبرم بعيداً عن إرادته. وبين الحاجة الاقتصادية الملحة وضرورات العدالة السياسية، تقف سورية أمام سؤال جوهري: هل يمكن إعادة بناء الدولة من دون إعادة بناء العقد الاجتماعي الذي يربطها بمواطنيها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير المؤسسات الخدمية، بل مصير الاستقرار الوطني كله. فالدول لا تُقاس فقط بما تملكه من أصول، بل بما تملكه من شرعية وثقة ومشاركة شعبية حقيقية.

العدد 1198 - 13/05/2026