بين الخبز والكرامة.. كيف يعيد السوريون

تعريف البقـــــــاء في اقتصـــــــادٍ منهـــــك؟

سليمان أمين:

في سياق الأزمات الممتدة، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل يختار الإنسان كرامته أم بقاءه؟

في سوريا عام 2026، لم يعد هذا السؤال نظرياً أو فلسفياً، بل تحول إلى معضلة يومية يعيشها ملايين السوريين في تفاصيل حياتهم الصغيرة قبل قراراتهم الكبرى. بين تآكل القدرة الشرائية، وانعدام الاستقرار، وتراجع الخدمات الأساسية، يجد الأفراد أنفسهم أمام خيارات قاسية تعيد تعريف معنى الكرامة ذاته.

اقتصادياً، تعكس الحالة السورية نموذجاً واضحاً لما يمكن تسميته بـ اقتصاد التكيّف القسري. فمع استمرار تدهور القدرة الشرائية، وغياب الاستقرار النقدي، لم تعد الأجور تؤدي وظيفتها التقليدية كوسيلة لضمان الحد الأدنى من العيش الكريم. بدلاً من ذلك، باتت الأسر تعتمد على مزيج معقد من مصادر الدخل: وظائف متعددة، تحويلات خارجية، وأنشطة غير رسمية. هذا التعدد لا يعكس تنوعاً اقتصادياً صحياً، بل يعبر عن هشاشة بنيوية تدفع الأفراد إلى البحث المستمر عن وسائل للبقاء.

ضمن هذا السياق، تتغير طبيعة العمل ذاته. لم يعد العمل مرتبطاً بالهوية المهنية أو الطموح الشخصي، بل أصبح وسيلة براغماتية لتأمين الاحتياجات الأساسية. الطبيب الذي يعمل في تجارة بسيطة، أو المهندس الذي يقود وسيلة نقل، لا يمثلان حالات فردية بقدر ما يعكسان اتجاهاً عاماً نحو تفكيك المكانة المهنية. هذا التحول يحمل دلالات عميقة، إذ لا يقتصر على الخسارة الاقتصادية، بل يمتد إلى فقدان الاعتراف الاجتماعي، وهو أحد أعمدة الكرامة الفردية.

غير أن اختزال المسألة في بعدها الاقتصادي وحده يغفل جانباً أساسياً يتعلق بإعادة تشكيل القيم الاجتماعية. ففي ظل الضغوط المستمرة، تشهد المجتمعات نوعاً من إعادة المعايرة الأخلاقية، حيث يعاد تعريف المقبول والمرفوض. العمل غير الرسمي، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كخيار هامشي، أصبح اليوم القاعدة. كذلك، تراجعت الوصمة المرتبطة ببعض المهن أو الممارسات، ليس نتيجة تحول ثقافي واعٍ، بل كاستجابة تكيفية لواقع يفرض نفسه.

هذه التحولات لا تخلو من تناقضات. فمن جهة، تعكس مرونة اجتماعية وقدرة على التكيف، ومن جهة أخرى، تطرح تساؤلات حول حدود هذا التكيف. إلى أي مدى يمكن للمجتمع أن يعيد تعريف معاييره دون أن يفقد تماسكه القيمي؟ وهل يؤدي هذا التكيف إلى بناء منظومة جديدة أكثر واقعية، أم إلى تآكل تدريجي للمعايير التي تحكم العلاقات الاجتماعية؟

على المستوى الفردي، تتجسد هذه الإشكاليات في قرارات يومية تبدو بسيطة لكنها محمّلة بدلالات عميقة. قبول وظيفة متدنية الأجر، أو التغاضي عن ممارسات غير عادلة، أو حتى الاعتماد الكامل على الدعم الخارجي، كلها خيارات تعكس مفاضلة ضمنية بين الكرامة والبقاء. غير أن هذه المفاضلة ليست حرة بالكامل، بل تتم ضمن إطار من القيود البنيوية التي تحد من هامش الاختيار.

من منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن فهم هذه الحالة من خلال مفهوم الإجهاد الأخلاقي، حيث يضطر الأفراد إلى اتخاذ قرارات تتعارض مع قيمهم الداخلية. هذا الإجهاد، إذا استمر لفترات طويلة، قد يؤدي إلى أشكال من التكيف النفسي تتراوح بين القبول الصامت واللامبالاة. ومع الوقت، قد يتحول ما كان يُنظر إليه كتنازل مؤلم إلى سلوك اعتيادي، ما يعيد طرح السؤال حول طبيعة الكرامة نفسها: هل هي قيمة ثابتة، أم مفهوم قابل لإعادة التعريف تبعاً للظروف؟

ورغم قتامة الصورة، لا يمكن تجاهل مظاهر المقاومة اليومية التي يبديها الأفراد. هذه المقاومة لا تتخذ بالضرورة أشكالاً سياسية أو جماعية، بل تظهر في تفاصيل صغيرة: الإصرار على تعليم الأبناء رغم التكاليف، الحفاظ على معايير مهنية معينة، أو رفض الانخراط في ممارسات يعتبرها الفرد غير أخلاقية. هذه الأفعال، وإن بدت محدودة التأثير، تعكس تمسكاً ضمنياً بفكرة الكرامة، حتى في أكثر الظروف قسوة.

على المستوى البنيوي، تكشف هذه الديناميكيات عن خلل عميق في العلاقة بين الفرد والمؤسسات. فغياب شبكات الحماية الاجتماعية، وضعف الأطر التنظيمية، واستمرار الضغوط الاقتصادية، كلها عوامل تضعف قدرة الأفراد على اتخاذ قرارات حرة. في هذا السياق، يصبح الحديث عن الاختيار إشكالياً، إذ إن الخيارات المتاحة غالباً ما تكون بين السيئ والأسوأ، وليس بين بدائل متكافئة.

هذا الواقع يفرض تحديات كبيرة أمام أي محاولة لفهم أو معالجة الأزمة. فالمقاربات التقليدية التي تركز على المؤشرات الاقتصادية الكلية قد تفشل في التقاط الأبعاد الإنسانية لهذه الظاهرة. بالمقابل، يتطلب الأمر تحليلاً متعدد المستويات يأخذ في الاعتبار التفاعل بين العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

في هذا الإطار، تبرز أهمية السياسات التي تعيد الاعتبار لمفهوم الكرامة كجزء لا يتجزأ من عملية التعافي. تحسين الأجور، دعم الخدمات الأساسية، وتعزيز فرص العمل اللائق، ليست مجرد أهداف اقتصادية، بل شروط أساسية لاستعادة التوازن بين الكرامة والبقاء. كذلك، يمكن للمبادرات المجتمعية أن تلعب دوراً مهماً في خلق مساحات بديلة تعزز من شعور الأفراد بالقدرة على الفعل.

في النهاية، لا يمكن قراءة الحالة السورية فقط من زاوية المعاناة، بل أيضاً من زاوية التحول. فبينما يفرض الواقع على الأفراد تقديم تنازلات مؤلمة، يكشف في الوقت ذاته عن قدرة الإنسان على التكيف وإعادة تعريف ذاته. الكرامة، في هذا السياق، لا تختفي، بل تتخذ أشكالاً جديدة، قد تكون أقل وضوحاً لكنها لا تقل أهمية.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس ما إذا كان السوريون قد اختاروا البقاء على حساب الكرامة، بل كيف يعيدون صياغة هذا التوازن في ظل ظروف استثنائية. وبينما يستمر هذا التفاوض اليومي بين الضرورة والمبدأ، تبقى الكرامة، رغم كل شيء، مرجعاً داخلياً لا يمكن إلغاؤه، حتى وإن تغيرت طرق التعبير عنه.

 

العدد 1193 - 9/04/2026