الرئيس الأسد لمحطة « فينيكس» الصينية: الشعب السـوري قوي ويزداد قوة في مواجهة الإرهاب

 أكد السيد الرئيس بشار الأسد أنّ وباء الإرهاب حدث بدعم إقليمي وعالمي، وأنّ ما يحدث في سورية ليس حرباً أهليةً، مشيراً إلى أنّ الجيش السوري يحقق التقدم في العديد من المناطق.

وقال الرئيس الأسد في حديثٍ لمحطة فينيكس الصينية إنّ الشعب السوري قويٌ، ويزداد قوةً في مواجهة الإرهاب، وإنّه لا يمكن اتخاذ خطوات سياسية ملموسة قبل القضاء على الإرهاب، مشيراً إلى أن أيديولوجية تنظيم داعش الإرهابي هي العقيدة السعودية الوهابية، وأن تركيا والسعودية وقطر يقدّمون كلَّ أشكال الدعم للتنظيم الإرهابي.

وفيما يلي أبرز ما قاله الرئيس الأسد في هذه المقابلة:

 الرئيس الأسد: أود أولاً أن أُرحب بكم في سورية، ويُسعدني إجراء هذه المقابلة الأولى مع تلفزيون «فينيكس». فيما يتعلق بتعريف هذه الأزمة، فإنها ليست حرباً أهلية. لنقُل إنه مضى حوالي خمس سنوات منذ حلّ وباء الإرهاب في سورية، وقد حدث هذا بالطبع بدعم من دول إقليمية وعالمية، فقد تمكن الإرهابيون من الاستيلاء على العديد من المناطق في سورية. وبالطبع فإن الجيش السوري يحاربهم، وقد انتصر في عدة معارك، إلا أنه لا يستطيع ن يكون موجوداً في كل مكان على الأرض السورية. مؤخراً، بعد مشاركة سلاح الجو الروسي في محاربة الإرهاب، تحسّن الوضع بشكل جيد جداً.

قبل بداية المشاركة الروسية، كان قد مضى أكثر من عام على بداية الحملة الأمريكية، أو ما يسمّونه التحالف الذي تقوده أميريكا ضد الإرهابيين. وقد كانت النتيجة أن الإرهابيين حققوا المزيد من المكاسب والتحق المزيد منهم من سائر أنحاء العالم. وخلال الشهر الأول من المشاركة الروسية، تراجعت المجموعات الإرهابية نفسها وشرعت بالهروب من سورية بالآلاف، إلى تركيا ومن ثم إلى بلدان أخرى، بعضهم إلى أوربا، وبعضهم إلى اليمن، وبعضهم إلى مناطق أخرى. هذه هي الوقائع.

الأمر الثاني يتعلق بخرافة محاربة الإرهاب من الجو. لا يمكن محاربة الإرهاب بالغارات الجوية فقط. ينبغي أن يكون هناك جنود على الأرض. أما الأمريكيون فيقاتلون باستخدام طائراتهم.

الروس يعتمدون على القوات البرية السورية. إنهم يتعاونون معنا.

في الواقع، ليس هناك «مجموعات معارضة»ملموسة. أولاً، من حيث تعريف مجموعة المعارضة، فإنها لا تعني مقاتلين. عندما تتحدثين عن المعارضة فإن ذلك مصطلح سياسي وليس مصطلحاً عسكرياً. عندما تحملين رشاشاً، فأنت مقاتلة أو إرهابية، أو سمّي ذلك ما شئت. لكن إذا أردنا الحديث عن الجهات المرتبطة بالمتطرفين -وهذا هو الجدل الدائر الآن – فإن أغلبية هذه المجموعات مرتبطة بالقاعدة، سواء كان من خلال داعش أو النصرة. هذا ليس تعريفنا نحن، بل تعريفهم لأنفسهم من خلال الفيديوهات التي يصدرونها، تستطيعين إيجاد ذلك في اليوتيوب على الإنترنت. لقد نشروا صوراً منذ اليوم الأول الذي بدؤوا فيه بعمليات الذبح، وأكل قلوب البشر، وقطع الرؤوس والأعضاء، وما إلى ذلك. إذاً، هم عرّفوا أنفسهم بأنهم مجموعات متطرفة، أما إذا أردتِ الحديث عن المعارضة المعتدلة، فبوسعكِ الحديث عن المعارضة السياسية الموجود بعضها داخل سورية وبعضها الآخر خارج سورية. جزء من هذه المعارضة قدّم دعماً سياسياً للإرهابيين، وجزء منها لم يفعل ذلك، بل وقف ضد الإرهابيين ودعم الحكومة، رغم أنه في المعارضة.

الروس يعملون مع بعض المسلحين، ونحن أيضاً نتعامل مع بعضهم لأننا بحاجة للمصالحة في سورية. وإذا أردتِ تحقيق المصالحة، أو المصالحات المحلية، يترتب عليكِ التحدث مع أشخاص لديهم السلاح. وهكذا، فقد تعاملنا معهم، وثمة تعاون بين السوريين والروس فيما يتعلق بهذا النوع من المصالحات.

في عام 2006 أعلن عن نشوء (داعش) في العراق تحت اسم «الدولة الإسلامية في العراق». وكان زعيمها الزرقاوي الذي قتله الأمريكيون. لا أحد يستطيع القول أن داعش لم يكن موجوداً في العراق أو أنه لم يكن موجوداً تحت الإشراف الأمريكي. هذا واضح.

داعش والنصرة انبثقا عن القاعدة في أفغانستان. وكما قالت كلينتون، وكما يعرف الجميع، فقد أنشئت في أفغانستان لمحاربة السوفييت حينذاك بتمويل سعودي وإشراف وتعليمات أمريكية. إذاً، هذا واضح جداً، وهو الواقع. إن ايديولوجيتهم هي العقيدة الوهابية، العقيدة السعودية الوهابية. أما فيما يتعلق بالجهات الداعمة لهم، فإن العائلة الحاكمة في السعودية كانت تدعم المؤسسات الوهابية علناً وبشكل رسمي، وبالطبع هناك العديد من الشخصيات الوهابية التي تستطيع إرسال المال لهم. أما من الناحية اللوجستية، فإن جميع اشكال الدعم المقدَّم لداعش، سواء من حيث موارده البشرية، أو أمواله، أو بيع نفطه، وما إلى ذلك، فإنه يمر عبر تركيا وبالتعاون مع السعوديين والقطريين. دون هذا الفضاء اللوجستي، أو لنقُل هذه الحديقة الخلفية المتوافرة لداعش، فإن داعش لا يستطيع البقاء، لأنه لا يمتلك حاضنة شعبية في سورية.

بالنسبة لنا، كسياسيين، وكدولة، وكحكومة، فإن الهدف الرئيسي هو العمل لمصلحة الشعب. وهكذا، فإننا سنستجيب لأي مقترح جيد. إذا كانت تلك البلدان مستعدة لوقف دعمها للإرهابيين، لن يكون لدينا مشكلة. المسألة لا تتعلق بالعيش في الماضي؛ إننا نتطلع إلى المستقبل. علينا أن نعمل على الوصول إلى تلك النقطة. بعد ذلك، فإن الناس، ومصالحهم ومشاعرهم ستحدّد نوعية العلاقات التي ستربطنا بتلك البلدان. لكننا لا نستطيع القول بأننا لن نقيم علاقات معهم. في النهاية، لدينا شعب، ولا يتعلق الأمر بالحكومة وحدها. هناك في تركيا أكثر من 70 مليون نسمة، والعديد منهم ضد أردوغان، والعديد منهم يفهمون ما يحدث في سورية ويفهمون أن ثمة حريقاً في سورية وأن النار ستحرق تركيا لاحقاً.

مشاعر الناس لا تزال مُلتهبة. لكن في المحصلة، فإن الناس سيحددون ما هي مصالحهم وسيكونون واعين لكل ذلك. بالطبع، لا تستطيعين القول إن كل السوريين ضد هذا الشيء أو كل السوريين معه؛ فالناس مختلفون، لكن في المحصلة، أعتقد أن الناس سينسون ما حصل عندما يصبح بإمكانهم رؤية أن ثمة مستقبلاً مشرقاً في الأفق.

عند الحديث عمّا بعد الأزمة، علينا تعريف النظام السياسي الذي نريده، هذا هو الأمر الأهم. يمكنكِ مناقشته الآن، لكنه لا يتعلق بقضية الإرهاب. قضية الإرهاب ربما تتعلق بعوامل مختلفة كلياً، عوامل داخلية وخارجية. إذا أردتِ التحدث عن مستقبل سورية، فإن الحديث هو حول النظام السياسي بشكل أساسي: برلماني، رئاسي، شبه رئاسي، فيدرالي، كونفدرالي، وما إلى ذلك. إلا أن الأمر الأكثر أهمية، بالنسبة للسوريين ولي هو أن يكون الدستور والنظام بمجمله والبلاد بشكل عام علمانية. العلمانية ليست ضد الدين. العلمانية هي حرية الأديان. إنها النظام الذي يستطيع أن يستوعب جميع أتباع الديانات، كل طائفة، وكل عرق، تحت مظلة واحدة هي المظلة السورية. هذا أولاً. ثانياً، أعتقد أن الاهتمام الرئيسي سينصبّ على الاقتصاد وإعادة البناء، وهذا سيكون قطاعاً مهماً في إعادة بناء سورية.

فيما يتعلق بالوجه السياسي للأزمة؟ تعلمين أن روسيا تقود النشاط السياسي فيما يتعلق بسورية على الساحة العالمية، وقد قمت بزيارتي لروسيا قبل أسبوعين أو ثلاثة من انعقاد مؤتمر فيينا. ولهذا السبب قمت بتلك الزيارة، من أجل معرفة آفاق الناحية السياسية فيما يتعلق بهذه الأزمة، وما يمكن فعله. الآن، حدّد مؤتمر فيينا بعض العناوين العامة بالطبع. وفي النهاية، أشار المؤتمر إلى إجراء الانتخابات ووضع دستور جديد، وما إلى ذلك. لكن الأمر في المحصلة يتعلق بما يتفق عليه السوريون، وبالتالي ينبغي أن يكون هناك حوار. ولهذا السبب قلت في موسكو إننا مستعدون لموسكو،3 لأننا بحاجة للحوار، بصرف النظر عمّا يقوله مؤتمر فيينا أو أي مؤتمر آخر. في المحصلة الأمر يعتمد على ما يقوله السوريون: مع أو ضد.. هذا ما نعمل عليه مع الروس، أي عقد حوار جديد بين السوريين، ربما في موسكو، وإذا حدث ذلك سيكون تحت عنوان موسكو3.

لا يمكن اتخاذ خطوات سياسية ملموسة قبل القضاء على الإرهاب، لأن هذه هي العقبة الأكبر، وهذا هو مصدر القلق الأكبر لكل سوري. كل سوري يريد أن يحصل على الأمن والأمان. كيف تستطيعين تحقيق أي شيء في حياتك إن لم تكوني آمنة، سياسياً أو اقتصادياً أو من أي ناحية أخرى؟ إذاً، هذه هي الأولوية. ما نفعله بموازاة محاربة الإرهاب هو إدراكنا للحاجة لإجراء الحوار، لكن الخطوات الملموسة ينبغي أن تعقب على الأقل إلحاق هزيمة رئيسية بالإرهابيين وسيطرة الحكومة على منطقة رئيسية من المناطق التي كان الإرهابيون قد استولوا عليها. عندها تستطيعين اتخاذ مثل تلك الخطوات، والخطوة الرئيسية فيما يتعلق بالجانب السياسي للأزمة هي مناقشة الدستور، لأن الدستور سيحدد النظام السياسي وسيحدد مستقبل سورية. إذاً، هذا هو هدفنا. في مرحلة لاحقة، وإذا تم إجراء الحوار، إذا أراد السوريون اتخاذ إجراء آخر، كالذي ذكرته فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية فإن ذلك سيكون جزءاً من الحوار بين السوريين. لا أستطيع القول إن هذه خطتي أو إن هذه ليست خطتي، لأن الأمور لا تتعلق بالرئيس وحسب. نحن نقترح قضية رئيسية وسيكون الباقي نتيجة الحوار بين السوريين.

العلاقات مع الصين لم تتراجع، والاتصالات لم تتوقف. لا يزال لدينا سفارة هناك، وسفيركم لا يزال نشطاً خلال الأزمة، ولم يغادر قط. والأمر الأكثر أهمية من هذه الشكليات، إذا جاز التعبير، هي المواقف الصينية. لقد استعملت الصين الفيتو أربع مرات خلال الأزمة السورية، دعماً للحكومة وللشعب السوري، ودعماً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. إذاً، نعم، العلاقات مستقرة جداً، لنقُل منذ عقود. في الواقع، إنها لم تتأثر بالأزمة. لكن الأمر الأكثر أهمية بالنسبة للشعب الصيني، خصوصاً أن الصين باتت إحدى أعظم دول العالم، والعظمة لا تكمن بالقوة العسكرية والاقتصادية وحسب، بل بوجود القيم العظيمة، وهو ما يملكه الشعب الصيني اليوم. عندما تتحدثين عن الحكومة الصينية والمواقف السياسية الصينية، فإنها تعكس عادة قيم الشعب الصيني ولا تنفصل عنها. وهكذا، فكلما كبر الدور الذي تلعبه الصين في العالم، وكلما كبُر نفوذها، وكلما كبُر وزن الصين كبلد، ازدادت مسؤوليتها إزاء مناطق العالم الأخرى، كل العالم. ينبغي استعادة التوازن في العالم وينبغي دعم القيم وميثاق الأمم المتحدة. ينبغي تصحيح الانحطاط الأخلاقي الذي يعتري السياسات الغربية والذي ندفع ثمنه نحن. وهكذا فإننا نتطلّع إلى ما سيفعله الشعب الصيني والحكومة الصينية لعالمنا في المستقبل، القريب منه والبعيد.

وفيما يتعلق بإعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب، قال الرئيس الأسد: لقد بدأنا فعلاً، وأصدرنا بعض القوانين المتعلقة بذلك، وباتت المنطقة الأولى قرب دمشق جاهزة تنظيمياً، وقد بدئ بالفعل بوضع البنية التحتية قبل شهر. إذاً لقد بدأنا، ونحن نعمل على ذلك، ونحاول التعاقد مع رجال أعمال، خصوصاً في البلدان والحكومات الصديقة.

وعن الضرر الذي لحق بالاقتصاد السوري؟ قال الرئيس الأسد:

في الواقع لقد تأثر بشكل سيئ جداً. نتحدث عن أضرار تقدر بمليارات الدولارات. لقد دُمّر 10% من المدارس و30% من المستشفيات العامة، أو لنقل إنها خرجت من الخدمة. وكذلك الأمر بالنسبة للبنية التحتية، كالكهرباء. هذا هو الجانب السيئ في كل حرب. هذا سيئ جداً. لكن وفي الوقت نفسه، فإن هذا يشكل فرصة للانتعاش وتحقيق الرخاء بعد الحرب، لأن إعادة البناء هي القطاع الأكثر أهمية في أي اقتصاد، خصوصاً بعد الحرب.

شخصياً، أستطيع أن أشعر بأنني أقوى، كرئيس أو كمسؤول، عندما يكون الشعب السوري قوياً. المسألة ليست مسألة قدرة شخصية، بل مسألة قدرة وطنية. عندما تتحدثين عن القدرة الوطنية، ينبغي أن تربطي ذلك بالشعب السوري. لقد عانينا كثيراً، وخسرنا كثيراً كسوريين، لكن في الوقت نفسه، إذا زُرتِ مختلف المناطق في سورية، فإنك سترين هذا التصميم. نحن نقاتل الإرهابيين القادمين من أكثر من مئة بلد من بلدان العالم، بما في ذلك من الصين بالطبع ومعظم البلدان الأوربية وروسيا وبلدان أخرى؛ وهؤلاء يتلقون الدعم من أقوى دول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، ومن أغنى البلدان، بما فيها السعودية وقطر. ورغم ذلك لم يهزموا السوريين، وهكذا أستطيع أن أقول، نعم، الشعب السوري قوي وهو يزداد قوة في مواجهة الإرهاب.

العدد 1195 - 23/04/2026