الفم الأعوج
يقول المثل الشعبي السوري: (اقعد أعوج واحكي جالس..)!
ومن مرويّات العرب أن أعرابياً وقف معوجّ الفم أمام أحد الولاة، فألقى عليه قصيدة في الثناء عليه التماساً لمكافأة، ولكن الوالي لم يعطه شيئاً وسأله:
ما بال فمك معوجاً؟
فرد الشاعر:
لعله عقوبة من الله لكثرة الثناء بالباطل على بعض الناس!
طبعاً لا تورد الرواية ما حصل للإعرابي بعد كلامه الجريء الذي ينبىء عن مصير كل مدّاح، فالممدوح لا يحترم المادح حتى لو أكرمه…
المادح أو المدّاح هو كذاب بالضرورة، وهذا لا يعني أن أي كلام إيجابي متوازن عن ظاهرة أو شخص أو فكرة أو جماعة يدخل في باب المديح المجاني، أو المديح المبالغ فيه.
ومعروف أن المديح يبطّن هجاء في جوهره حين يتجاوز المنطق ويصبح أداة للتكسب، فمن يمعن في كيل الصفات الحسنى لشخص، مهما بلغت مكانته، يمارس سخرية مبطنة منه، ويروى عن الإمام علي، الخليفة الراشدي الرابع، أنه جاءه أحد المتكسبين من مديح السلاطين والخلفاء والأمراء، وبالغ في مدحه، فقال له سيد البلاغة في ردّ موجز بليغ: أنا فوق ما في نفسك ودون ما تقول.
وقد فعلها مراراً شاعر عظيم مثل أبي الطيب المتنبي، فمدح الملوك والأمراء، وقال فيهم ما ليس فيهم، وهو المعتز بنفسه الذي لا يعرف طموحه حدوداً، ويتساءل الكثيرون: ربما كان المتنبي معجباً فعلاً بسيف الدولة الحمداني حين مدحه كل هذا المديح، بدليل أنه حتى قبل أن يهجره كتب عتاباً مراً ومؤلماً ينضح بالحب للأمير الفارس:
ما لي أكتّم حباً قد برى جسدي
وتدّعي حبَّ سيف الدولة الأممُ
كما أنه لم يأت على ذكره بهجاء أو انتقاد بعد رحيله عنه.
لكن هل كان معجباً فعلاً بكافور الإخشيدي حين مدحه، ثم عاد إلى هجائه بأقذع الهجاء عندما اكتشف أن وعوده لمالئ الدنيا وشاغل الناس بالإمارة كانت وعوداً كاذبة؟
أظن أنّ الجواب واضح هنا، وهو أنّ المتنبي كتب أكثر مديحه للتكسب كما كل المداحين، والقليل منه كتبه إعجاباً بالممدوح وفضائله.
فهل يقنع عاقلاً قوله عن الإخشيدي:
بعَزْمٍ يَسيرُ الجِسْمُ في السرْجِ راكباً
بهِ وَيَسيرُ القَلبُ في الجسْمِ ماشِيَا
قَوَاصِدَ كَافُورٍ تَوَارِكَ غَيرِهِ
وَمَنْ قَصَدَ البَحرَ استَقَلّ السّوَاقِيا
ثم عودته بعد وقت قصير إلى هجاء (الكافور) نفسه، ولم يكتف بهجاء كافور والسخرية منه، بل وصل به الأمر إلى رؤية عنصرية مغرقة في التعريض بالعبيد، وهم طبقة اجتماعية كبيرة ومسحوقة، وقد قاموا بثورتهم المعروفة في البصرة ضد استبداد السلطة العباسية، وكافور لم ينتم إليهم إلا بلون بشرته:
لا تشتر العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لأنجاس مناكيد
ربما كان نزق الشاعر وذاتيته المفرطة وراء هذا التطرف في التعبير عن مشاعره، وبكل الأحول نقول: يجوز للمتنبي ما لا يجوز لغيره، فـ(ما الدهر إلا من رواة قصائده) كما يقول ونقول.
كل ما سبق قوله هو مناسبة لإعلان أمنية انتابتني مع قصة الأعرابي أعوج الفم، وهي أن يصبح كل من يمدح كاذباً أعوج الفم، فيشار إليه أينما حلّ، ويتعلم منه كل من يفكر بالتكسب من المدح والإطناب في وصف أصحاب الجاه والمناصب بما ليس فيهم.
حينئذ، كم سنرى من معوجّي الفم في شوارعنا ومؤسساتنا الحكومية وغير الحكومية، ومقاهينا، وصحفنا….!
أخشى لو تحققت هذه الأمنية الجانحة أن نصبح شعباً من ميزاته اعوجاج الفم، فيقال في كتب الجغرافيا مثلاً: ويتميز الشعب الفلاني باعوجاج أفواههم لأسباب وراثية أو بيئية ربما…ولن يقول أحد: لأسباب مدائحية تقريظية كاذبة…
ربما تشبه هذه (العقوبة) التخييلية حد قطع يد السارق ليظل فعله وصمة عار على يده، وهي عقوبة تنتمي إلى قرون سالفة، ونختلف على صحة تطبيقها في القرن الحادي والعشرين.
لكن اعوجاج الفم، التي سرح الخيال بها كعقاب للمداحين لن تؤذي المداح أو تعيقه عن أداء وظائفه البيولوجية والحياتية، لكنها فقط ستترك علامة فارقة تعبر تماماً عن حال المداح الكذاب وتجعله عبرة لمن يعتبر…وأغلب الظن أنْ ليس من يعتبر، وإلا من أين تاتي كل هذه الرياح الصفراء؟!