أعلام الماركسية واليسار في العالم العربي 2
يأتي مشروع (أعلام الماركسية واليسار في العالم العربي) وفاءً لذاكرة المناضلين والمفكرين اليساريين، وتعريفاً بإسهاماتهم الفكرية والسياسية في مسيرة اليسار العربي. وهو مشروع سبق أن بدأه الرفيق الراحل زياد الملا، إذ أنجز الجزء الأول منه وكتب فيه عن مئة شخصية يسارية، وكان بصدد إعداد الجزء الثاني من هذه السلسلة.
لكن رحيل الرفيق زيّاد الملّا عام 2020 م حال دون استكمال هذا المشروع، وبقي الجزء الثاني منه دون أن يُنجز. ووفاءً لذكراه أردت أن أستأنف السلسلة من حيث بدأها عبر إعادة نشر ما كتبه ونشره في جريدة (النور) ومواصلة المشروع الذي أطلقه.
سامر النمر
فخري كريم
يُعدّ الرفيق فخري كريم من أبرز الشخصيات السياسية والثقافية والإعلامية في تاريخ اليسار العراقي المعاصر.
امتدت تجربته لأكثر من ستة عقود، وجمعت بين العمل الحزبي والسياسي، والصحافة والثقافة والنشر، وظل خلالها حاضراً في محطات أساسية من تاريخ العراق الحديث، مدافعاً عن الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والاستقلال الوطني.
البدايات والحزب
ولد فخري كريم في بغداد عام 1942، ونشأ في قضاء الحبّانية بمحافظة الأنبار. بدأ نشاطه السياسي وهو في السادسة عشرة من عمره، متأثراً بمناخ النهوض اليساري الذي أعقب ثورة 14 تموز 1958، وانضم مبكراً إلى الحزب الشيوعي العراقي.
اضطرّ في مراحل مبكرة من حياته، إلى الاعتماد على نفسه والعمل في مهن مختلفة للمساهمة في إعالة أسرته. وأسهمت حلقات التثقيف والعمل الحزبي في صقل شخصيته السياسية والفكرية.
جمع منذ شبابه بين العمل التنظيمي والثقافي والصحفي، وتميّز باهتمامه بالفكر والنقاش السياسي، وتعرّض خلال الستينيات للملاحقة والاعتقال بسبب نشاطه المعارض.
وفي السنوات اللاحقة أصبح من الكوادر الفاعلة في الحزب، وأسهم في العمل الإعلامي والثقافي، وتولى مسؤوليات في تحرير وإدارة منابره الصحفية، ومنها (طريق الشعب).
وفي المؤتمر الثالث للحزب عام 1976 انتُخب مرشحاً لعضوية اللجنة المركزية، ثم أصبح عضواً فيها، وتولى لاحقاً مسؤوليات في المكتب السياسي والعلاقات الوطنية والخارجية والعمل الإعلامي.
القمع والمنفى والأنصار
مع تصاعد حملة النظام البعثي ضد الحزب الشيوعي عام 1979، غادر فخري كريم العراق، وتولى العمل الحزبي في لبنان وسورية، وأسهم في إعادة تنظيم صفوف الشيوعيين العراقيين الذين اضطروا إلى مغادرة البلاد.
وفي ثمانينيات القرن الماضي التحق بقوات الأنصار في كردستان، واضطلع بمسؤوليات سياسية وإعلامية، وأشرف على إعلام الحزب المركزي، وبضمن ذلك إذاعة (صوت الشعب العراقي) والجريدة المركزية.
وكانت سنوات المنفى مرحلة مهمة في تطور اهتمامه بالفكر والثقافة وأزمة اليسار، والبحث عن أدوات جديدة للعمل السياسي والثقافي.
(النهج) وتجديد الفكر اليساري
من أبرز مشروعاته الفكرية مجلة (النهج) التي طرح فكرتها بوصفها منبراً لإعادة قراءة الفكر الاشتراكي وتجديده بعيداً عن الجمود العقائدي والانغلاق الحزبي.
أعيد إطلاق المشروع من دمشق في ثمانينيات القرن الماضي، وأصبحت (النهج) من المنابر الفكرية العربية التي فتحت النقاش حول أزمة الاشتراكية ومستقبل اليسار، وعلاقة الفكر التقدمي بالديمقراطية وحقوق الإنسان. كما أتاحت مساحة للحوار بين المثقفين واليساريين العرب.
من (النهج) إلى (المدى)
تطور المشروع الثقافي لاحقاً إلى تجربة «المدى»، التي بدأت داراً للنشر والثقافة ثم توسعت إلى مؤسسة إعلامية وثقافية.
بعد سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003 عاد فخري كريم إلى العراق، وأسس مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون، وأصدر جريدة (المدى). واهتم المشروع بنشر الكتب وإقامة معارض الكتاب والملتقيات الفكرية والثقافية، ودعم المثقفين والفنانين، ومن أبرز مبادراته مشروع (كتاب مع جريدة) لتوزيع الكتب مجاناً مع عدد من الصحف العربية.
كما أصبحت (المدى) من المنابر الإعلامية التي تناولت قضايا الفساد والطائفية والحريات والدولة والمواطنة، وواكبت الحراك المدني والاحتجاجات العراقية، ولا سيما احتجاجات تشرين 2019.
الكاتب والمثقف
إلى جانب عمله السياسي والإعلامي، كتب فخري كريم عشرات المقالات والدراسات في الشأن العراقي وقضايا الدولة والمجتمع والاستبداد والطائفية والفساد والديمقراطية.
ومن أبرز كتبه: (ملامح زمن)، (دولة اللادولة)، (ثلاثية الفساد والإرهاب والطائفية)، (لكي لا أستقيل من هذا الوطن)، (من دولة الاستبداد إلى استبداد الدولة)، (الإخوان: الحقيقة والقناع)، و(تقاسيم على وتر الديمقراطية).
وبعد عام 2003 شغل موقع كبير مستشاري رئيس الجمهورية، وأسهم من موقعه في الحوار بين القوى السياسية، لكن حضوره ظل مرتبطاً بصورة أساسية بالثقافة والإعلام والنشر.
الاستهداف والتكريم
رافقَت المخاطر مسيرة فخري كريم، وتعرّض لمحاولات اغتيال، آخرها في بغداد عام 2024، ونجا منها. كما حظي بتكريمات عدة، أبرزها وسام البارزاني، وجائزة شخصية العام الإعلامية ضمن جوائز الإعلام العربي عام 2025، تقديراً لإسهاماته في الصحافة والإعلام والثقافة.
خاتمة
تمثل سيرة فخري كريم جانباً من تاريخ اليسار العراقي على مدى أكثر من ستة عقود: من المد اليساري بعد ثورة 14 تموز، إلى سنوات القمع والملاحقة، فالمنفى والعمل الأنصاري، ثم تجربة (النهج)، وصولاً إلى مشروع (المدى) والعمل الثقافي والإعلامي في عراق ما بعد 2003.
إنها سيرة شيوعي وسياسي وصحفي ومثقف وناشر، انتقل في أدوات عمله من التنظيم الحزبي إلى فضاء أوسع من الثقافة والإعلام والعمل المدني، مع بقاء الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية في صلب تجربته.
ومن هذه الزاوية، تمثل سيرة فخري كريم لا مسيرةً شخصية فحسب، بل شهادة على التحولات التي عاشها اليسار العراقي والعربي، ومحاولاته إعادة صياغة دوره في مجتمع ودولةٍ شهدا تحولات عميقة خلال العقود الأخيرة.