الزراعة والصناعة والخدمات ودلالات التطور في عصرنا الراهن
يونس كامل صالح:
في محاولة للتفسير والبحث عن دلالات التطور الجارية، فإننا لابد أن نرصد كيف حدثت التحولات التي تشير إلى أن العالم- أو أجزاء كبيرة منه- في حال تطوّر وتغيّر دائمين.
أجل، لقد انكمش الاشتغال بالزراعة في البلدان المتقدمة، لكن الإنتاج الزراعي لم ينكمش، ذلك أن الزراعة باتت صناعة كبرى يقل فيها عدد العاملين، وتزيد فيها الآلات: زرعاً وحرثاً وحصداً.
أيضاً، فإن عدد المشتغلين بالصناعة في تراجع مستمر بسبب التقدم التكنولوجي والاعتماد على العقول الإلكترونية وغير ذلك، بينما كان اتساع الطبقة العاملة الصناعية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين أداة تحول اجتماعي نشأ معه نفوذ النقابات والأحزاب العمالية ونشأت معه الأفكار الاشتراكية والماركسية، بينما كان ذلك هو الوضع، فقد أصبحنا أمام التحول الكبير: العامل الزراعي أصبح مثل العامل الصناعي، والعامل الصناعي أصبح فنياً وخبيراً لا ينقصه غير مكتب صغير ليصبح بيروقراطياً من ذوي الياقات البيضاء. إنه عالم الأزرار تتغير معه بنية الطبقة العاملة وتوجهاتها.
وهكذا حدثت التطورات التي جعلت الإنتاج السلعي، زراعياً كان أو صناعياً، ليس بحاجة إلى عمالة كثيفة، بينما اتسع اقتصاد الخدمات والاقتصاد المعرفي فاستوعب المزيد والمزيد. ولم يكن ذلك مجرد تعبير عن التطور التكنولوجي فقط، لكنه كان أيضاً تعبيراً عن التطور في مستوى المعيشة وما يستهلكه الفرد من خدمات. وهو ما نلمسه إذا حاولنا تحليل ميزانية الأسرة التي يحتل فيها الغذاء النسبة الأعلى في المجتمعات الفقيرة، بينما تحتل بنود أخرى هذه النسبة في مجتمعات الوفرة، وهي بنود مستحدثة مثلما هو الحال من الإنفاق على الاتصالات والخدمات الإعلامية والمعرفية والكمبيوتر والمستوى الرفيع من الخدمة الصحية والتعليمية.
يقول الاقتصاديون: إنه مع التقدم الكبير زادت إنتاجية المشتغل وزاد دخله بالضرورة، فأضبح قادراً على أن يستهلك أكثر، ولكن لأن استهلاكه من السلع الزراعية والصناعية محدود بالضرورة، فإن التزايد يحدث على الجبهة الأخرى، جبهة الخدمات وتحسين مستوى المعيشة والانتقال من عالم الحاجات الأساسية إلى عالم الرفاهية.
ويبقى السؤال المهم: هل يأتي هذا التطور في توجهات الاقتصاد وسوق العمل لصالح عمالة أكثر أم عمالة أقل؟ وهل يساعد اندفاع الإنسان لاستهلاك خدمات أوفر على مواجهة مشكلة البطالة التي باتت تؤرق على الجميع.
لقد قتل التطور العلمي الكثير من فرص العمل وكان ذلك عنصراً رئيسياً في الاتجاه نحو العولمة، التي يجد فيها الكبار- ومن خلال الحدود المفتوحة- فرصاً أوسع في الأسواق الخارجية ولكن في الوقت نفسه، فإن مشكلة التشغيل ظلت تؤرق الجميع، فعاد الاهتمام بالصناعات الصغيرة والعمل اليدوي والحرفي، وزاد الاهتمام باقتصاد خدمات يستوعب نسبة أكبر من اليد العاملة.
وقد طرحت منظمات دولية، بينها منظمة العمل الدولي، أهمية اختيار نمط للتنمية قادر على توليد فرص عمل، فالهدف لم يعد كما يقودنا الاقتصاد الرأسمالي: زيادة الربح من أجل زيادة التراكم وزيادة الاستثمار، لكن الهدف الآن، ودون إغفال العوامل الاجتماعية والاقتصادية الأخرى، هو التشغيل شبه الكامل للطاقات البشرية في المجتمع. الإنسان أولاً فهو الهدف في البداية والنهاية.
هل نزيد كعكة الإنتاج والاستهلاك معاً لنحقق هذا المعادلة؟ يبدو أن ذلك هو الحل، ويبدو أن يوماً سيأتي ليعمل فيه الإنسان يوماً أو يومين كل أسبوع ويكفيه ذلك ليغطي حاجاته ويعيش عيشه طيبة.
أعود إلى البداية، (قل لي أين تعمل، وماذا تعمل، أقل لك في أي نوع من المجتمعات تعيش)! والمقولة صحيحة سواءٌ كنا نتحدث عن مجتمعات الوفرة الرأسمالية المتقدمة أو مجتمعات الندرة في العالم النامي، المجتمعات الصناعية المتقدمة أو المجتمعات الزراعية المتخلفة. إن المرأة مازالت في بعض مجتمعات العالم النامي كما يقال وعندنا أيضاً ما زالت تقضي نصف أيامها في الشتاء في جمع الأحطاب، وما تقدمه الغابة، إن كان قد بقي عندنا غابات، من خير وأسباب الحياة.