فلسطين.. من سجون الليل تنتزع النهار
د. أحمد ديركي:
ولتأكيد إجرامية الصهيوني يستقي تكريس إجرامه من نصوص دينية تحرض على القتل والإجرام، ليتخذ من هذه النصوص مصدراً لتشريع إجرامه. والتشريع هنا هو التشريع الديني الذي يلعب دوراً أساسياً في تشويه الوعي والاستلاب الفكري.
فهي، أي الحركة الصهيونية، التي كرسها الاستعمار الأوربي بشكل نظام سياسي يحتل فلسطين، تتخذ من كتاب العهد القديم مرجعاً فكرياً لإجرامها، وبخاصة مما ورد في سفر التكوين حيث
(يأمر القائد العسكري موسى قبائله المعسكرة قائلاً: فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امراة عرفت مضاجعة رجل اقتلوها، وأما إناث الأطفال اللواتي لم يعرفن مضاجعة الرجال فاستبقوهن لكم…)- ص. 84
وما هذه الفقرة الدينية المذكورة على لسان نبيهم موسى، ونبيهم يعني نبي مرسل من الإله والنبي يُعبر عن الفكر الإلهي الذي أرسله ليبلغ رسالته بلغة بشرية، إلا دليل عن الكم الإجرامي المختزن في عقل الإله، وما النبي إلا بشريّ، فالبشر الذين صنعوا آلهة كهذا ليعبدوهم يستخدمونهم كأداة للتعبير عما يجول في العقل البشري من إجرام.
وحدود الإجرام تتوافق مع تطور أنماط الإنتاج لتصل إلى ذروتها في نمط الإنتاج الرأسمالي. والذرة هنا تعني تشويه الوعي الطبقي لتجعل من الإجرام وسيلة أو تعبيراً عن الأمن!
فمثلاً في الأنماط السابقة مهما بلغت درجات الإجرام فهي واضحة من أجل غاية ما. مثلاً مالك العبد يعذّب عبده كي يطيعه، ولا يبرر تعذيبه لأنه تعبير اجتماعي متعارف عليه. لكن في نمط الإنتاج الرأسمالي يوجد تناقض صارخ بين القول والفعل. وكي نبقى في فلسطين، فالحركة الصهيونية حركة من نتاج نمط الإنتاج الرأسمالي، وبخاصة عندما وصل إلى مرحلة ضرورة الاستعمار للحفاظ على وجدوه وتطوره. فأقحم هذه الحركة الأوربية الصياغة لتكون في عقول حامليها الأوربيين ليأتوا محتلين فلسطين. وهم أي الأوربيون في حينها كانوا حاملي راية حقوق الإنسان والحرية، وما الثورة الفرنسية وشعاراتها إلا دليل على هذا. فسقطت كل هذه الشعارات أما غاية احتلال فلسطين من قبل الأوربيون لتكون رأس حريتهم الاستعمارية في المنطقة.
وها قد وصل النص الديني في إجرامه إلى حد القضاء على النساء الحوامل كي لا ينجبوا أطفالاً من أزواجهم، لأن أزواجهم أعداء. وبهذا تحريض علني تتخذه الصهيونية لقتل كل النساء، وهذا ما تفعله علناً الحركة الصهيونية في فلسطين، والعالم برمته يدعمها في قتل المزيد من الأبرياء، بغض النظر عمن هو هذا البريء، طفل أو امرأة أو رجل أو شيخ…
ما دام الأمريكي يؤمن أرباحه ويجرب أسلحته بالشعب الفلسطيني واللبناني ضمناً، وتحديداً سكان الجنوب، والعربي يدفع ثمن تجارب هذه الأسلحة ليبقى ملوك الأنظمة على عروشهم، فالصهيوني مستمر بإجرامه لأنه تربى على الإجرام الأوربي وتطور على يدي الإجرام الأمريكي.
فالدعوة إلى قتل النساء الذين بلغن سن النضج الجنسي يجب قتلهن، لكن الفتيات الصغيرات يمكن الرأفة بهن ليؤخذن كممتلكات خاصة لليهود، أي أن حاملي فكر هذا الدين، الذين، بالتشارك مع المستعمر الأوربي، مع مرور الوقت حولوه إلى حركة سياسية عنصرية لاحتلال فلسطين ليتخلص الأوربي أولاً من الفائض السكاني الذي يعاني منه، وفي الوقت عينه ينهب ثروات المنطقة ويكون حامي النهب هو الكيان الصهيوني. وهذا ما يحدث وبعد أن انتقل مركز ثقل الإمبريالية من الأوربي إلى الأمريكي تحول الكيان إلى رأس حربة الإمبريالية الأمريكية.
من جهة أخرى النص لا يتوقف هنا، بل يؤكد إجرامه بنصوص دينية أخرى:
وفي نص ثالث يشير إلى النزعة العنصرية النخبوية بعنف وحشي يخاطب إله الحرب والبداوة يهوه أتباعه قائلاً (سفر تثنية الاشتراع 2- 1 /7 ) وإذا أدخلك الرب إلهك الأرض التي أنت سائر إليها لترثها واستاصل أمماً كثيرة من وجهك… وأسلمهم الرب إلهك بين يديك وضربتهم فأبسلهم إبسالاً لا تقطع معهم عهداً ولا تأخذ بهم رافة… ص. 84 – 85
ها هو ذا الصهيوني، المتخذ من الديانة اليهودية وإن كانت تختلف قليلاً عن الحركة الصهيونية السياسية إلا أن الديانة اليهودية ليست بذاك المنفصل كلياً عن الفكر الإجرامي الصهيوني، الساعي لإبادة كل الشعوب ووراثة الأرض، وما يفعله في فلسطين وإبادة الشعب الفلسطيني إلا دليل على فكره الإجرامي. وما يستكمل فعله في لبنان وتحديداً في الجنوب اللبناني إلا دليل آخر، وما يفعله في إيران، وما فعله في العراق، وما يفعله في سورية.. أي ما يفعله الصهيوني، المعتمد والمُشرع لفكر الإجرامي الاستعماري على النصوص الدينية التي تقر بها اليهودية، بالنسبة له مبرر وبخاصة أن نمط الانتاج الرأسمالي بحاجة ليدعم وحشاً كهذا خلقه لينهب ثروات العالم، وفي حال رفض المنهُوب عمليه النهب، حالياً الأمريكي، أرسل له الأمريكي الصهيوني ليؤدبه ثم يأتي الأمريكي لينهبه. وفي حال كان المنهُوب بعيداً جغرافياً عن الصهيوني فعلها الأمريكي وحيداً ولكن مستعيناً بالفكر الإجرامي الصهيوني بسبب خبرته بإجرامه في المنطقة العربية.
فمثلاً ها هو ذا الأمريكي يفعل بكوبا ما يفعله الصهيوني بفلسطين، وتحديداً في قطاع غزة. فالأمريكي فرض حصاراً على كوبا مانعاً عنها الماء والنفط والغذاء والطبابة.. أي فرض حصاراً عليها لتموت جوعاً وعطشاً كما يموت سكان غزة. الفارق بين كوبا وغزة، حتى تاريخه، هو العمل العسكري. فالصهيوني يقصف غزة ليلاً ونهاراً مدمراً كل ما يمكن تدميره والعالم يدعمه، وكذلك العالم برمته صامت أمام حصار كوبا لتموت كموت قطاع غزة. فضلاً عما حدث في فنزويلا. وعند قرب البقعة الجغرافية من الصهيوني يرسله الأمريكي ليكون ذراعه الضاربة كما يحدث مع إيران، وإن كان الأمريكي يعمل على إبراز عضلاته العسكرية ليبين أنه يفعلها وحيداً في بعض الأحيان.
وحفاظاً على العقل الإجرامي في الحركة الصهيونية، تعود هذه الحركة لكل النصوص اليهودية التي تؤكد حتمية الإجرام للنصر،
وفي سفر تثنية الاشتراع (5 ، 7/3) نقرأ التالي: ولا تصاهرهم ابنتك لا تعطها لابنه وابنته لا تأخذها لابنك… بل كذا تصنعون بهم تنقضون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتقطعون غاباتهم وتحرقون تماثيلهم بالنار… ص. 85 – 86
نصوص تسمح بقتل النساء الناضجات جنسياً كما تسمح بامتلاك من لم ينضجن بعد، وتمنع الاختلاط عرقياً (بمعنى التزاوج) مع غير اليهودي، حفاظاً على نسلهم القبَبلي وصفاء عرقهم العنصري، وفي الوقت نفسه تؤكد الديانة اليهودية مسألة إبادة كل من هو غير يهودي. وهنا الإبادة شرعية بغض النظر عن وحشيتها ودعوتها إلى قتل الجميع بلا رحمة إضافة إلى إتلاف مصادر عيشهم. ففي السابق الزراعة هي المصدر الرئيسي للعيش واليهودية تدعو إلى إحراق التماثيل وقطع الأشجار. كم هو رؤوف هذا الدين ليلهث كل زعماء العرب خلف الصهاينة ليتباركون من رأفتهم ليبقوا على عروشهم.
فاليهود، ولنكن منصفين معظمهم، دائماً عند الأخذ بعمق ديانتهم عملوا على أن يتميزوا بالإجرام والانغلاق، وهذا ما تدعو إليه ديانتهم وبشكل واضح لا لبس فيه. من هنا كانوا تلك العصبة المنغلقة على ذاتها الضامرة لكل أشكال الإجرام لغيرها، وهي وسائل إجرامية منصوص عليها بوضوح بكتبهم المقدسة، تعمل على نبذ الآخرين وتتهم الآخرين على أنهم نابذون له لتكذب الواقع وتظهر نفسها بأنها تلك العصبة البريئة التي يريد الجميع التخلص منها. فكانت هذه العصبة حاملة الديانة اليهودية أينما وجدت تسببت بالكراهية تجاهها بسبب ما تحمله من أفكار تعصبية إجرامية، وليس لأنهم مجرد أشخاص يؤمنون بالديانة اليهودية. وقد يكون هنا التناقض الأكبر فهم أشخاص عاديون لا مشكل في اندماجهم بأي مجتمع لكن ديانتهم تمنعهم من الاندماج فينعزلون ويؤجرمون الذهنية ما يجعل منهم جماعة مكروهة.
لهذا في قول أطلقه أحد ممثلي الثورة الفرنسية البورجوازية العظمى في عام 1789 مخاطباً اليهود من مواقع هذه الثورة وفي ضوء أهدافها: كل شيء لليهود أفراداً ولا شيء لليهود الشعب… فنحن لا يمكن أن يكون عندنا أمة داخل أمة. ص. 89.
ديانة تدفع بمعتقديها إلى الانعزال عن المحيط أو القضاء عليه لأنها تدّعي بأنها الأفضل. والقضاء هنا بالنسبة لها مُشرعن ومباح دينياً. فكل يهودي يؤمن بديانته عليه قتل كل من هو غير يهودي، واحتلال أرضه وحرق أشجاره، وقتل كل فتاة بلغت سن الرشد وامتلاك كل فتاة لم تبلغ. ولفعل هذا الإجرام لا بد من تشكيل جماعة عصبية ومتعصبة لفكرها وها هو ذا الفكر اليهودي جاهز، فأتت الصهيونية لتأخذ هذا البُعد الإجرامي وتطبقه في فلسطين ولبنان وسورية والأردن وأينما استطاعت. لكن ما كان لهذا الفكر أن يكون على هذا المستوى من القوى الإجرامية والقدرة على التنفيذ لو لم يكن وليد قوى الإمبريالية العالمية والطبقة البرجوازية حليفة هذه القوى. والطبقة البرجوازية تتحالف مع كل طبقة برجوازية تابعة وتقيم أنظمة سياسية متحالفة مع هذه الطبقة داخلياً فتتشابك المصالح الطبقية بين الداخل والخارج وتنشأ شبكة العلاقات بين الطبقات البرجوازية أينما وجدت.
شبكة في أحيان تتوافق مصالحها فيعم الاستغلال بشكل سلمي وتارة تتضارب المصالح فيعم الاستغلال بشكل عنفي.
وما جرى في فلسطين منذ احتلالها من قبل المستعمرين البريطانيين وبمساعدة فرنسية وصولاً إلى الاحتلال الصهيوني لها وصولاً إلى مجريات اليوم يشير إلى أن فلسطين تبقى بوصلة النضال الطبقي لما تحويه من تشابك كل مصالح الطبقة البرجوازية مع البرجوازية التابعة وصولاً إلى طبيعة تشكيل الأنظمة العربية وعلاقاتها مع قوى الإمبريالية منذ هيمنة الأوربي وصولاً إلى الأمريكي حالياً.
يتبع وإن عجزت على القيام بهذا العمل المضني، فالباب مفتوح لمن يود الاستكمال.