هل هذه هي سورية الجديدة التي نريدها؟!

حين يصبح الرصيف مأوى للمواطن المريض ومرافقيه

إبراهيم الحامد:

الصورة ليست من فيلم عن الفقر، ولا من بلدٍ منكوب في مكان بعيد. إنها من دمشق، عاصمة سورية، حيث يفترش مئات المواطنين الأرصفة، ويلتحفون السماء، وينامون في الشوارع قرب المشافي، لأنهم جاؤوا من محافظات مختلفة لمرافقة أطفالهم ومرضاهم، ولم يعودوا قادرين على تحمّل تكاليف الفنادق أو أماكن الإقامة.

أمام مشفى الأطفال في المزة، يظهر مشهد قاسٍ ومؤلم: آباء وأمهات وأقارب لمرضى، يحملون همّ المرض وفوقه همّاً آخر لا يقل قسوة: أين سننام الليلة؟

هنا لا نتحدث عن رفاهية، ولا عن مطلب ثانوي. نحن نتحدث عن أبسط حقوق الإنسان: مكان آمن يحفظ كرامة المريض ومرافقه.

وهنا يفرض الواقع أسئلة لا يمكن الهروب منها: هل لهذه الحالة خرج الشعب السوري محتجاً على النظام السابق؟ وهل هذه هي سورية الجديدة التي كان يحلم بها السوريون؟ وهل هذه هي الحرية والكرامة التي بحّت من أجلها حناجرهم وشقت صرخاتهم لها عنان السماء؟!

لا والله، وما شاهدنا هذا فيما مضى!! وما كان علاج طفل مريض سبباً لتشرد والديه على الأرصفة!!

لقد جاء هؤلاء المواطنون من كل المحافظات السورية إلى دمشق، لأنهم كانوا على يقين، بأن عاصمتهم كانت تضم المؤسسات الطبية القادرة على علاج المرضى، وتؤمّن أسرّة نوم للمرافقين وإطعامهم، لكنهم بدل ذلك، وجدوا أنفسهم في مواجهة غلاء الإيجارات والفنادق وتكاليف الطعام والمواصلات، وهم غير قادرين على دفعها، حتى أصبح الرصيف ملاذاً اضطرارياً لهم.

إن كرامة المواطن لا تُقاس بالخطابات السياسية ولا بالشعارات المرفوعة، وإنما بما توفره الدولة للمواطن عندما يكون في أضعف حالاته: عندما يمرض، أو يفقد عمله، أو يعجز عن تأمين مسكن، أو يأتي من منطقة بعيدة إلى العاصمة بحثاً عن العلاج.

ورغم اليقين منا بأن القائمين على الدولة اليوم آخر همّهم هو المواطن، إلا أنه لا بد أن نوجّه السؤال إلى الجهات التي ترى في نفسها أنها المسؤولة: أين وزارة الصحة؟ أين وزارة الشؤون الاجتماعية؟ أين محافظة دمشق؟ وأين المؤسسات المعنية بحماية الفئات الأكثر ضعفاً؟

المطلوب ليس مؤتمراً صحفياً، ولا بياناً إعلامياً، ولا تبادل الاتهامات. المطلوب حل عملي وعاجل.

لماذا لا تُنشأ مراكز إيواء إنسانية قريبة من المشافي العامة، تستقبل المرضى القادمين من المحافظات ومرافقيهم، وتوفر لهم الحد الأدنى من النوم والطعام والنظافة والأمان؟ ولماذا لا توضع برامج مساعدة للفقراء الذين يضطرون إلى السفر مئات الكيلومترات من أجل العلاج؟

إن دمشق ليست مدينة لفئة دون أخرى، ولا عاصمة لمن يملك المال فقط. إنها عاصمة جميع السوريين: من الحسكة وحلب ودير الزور والرقة وإدلب ودرعا والسويداء وحمص وحماة وكل قرية ومدينة سورية.

ومن حق المواطن الذي يصل إليها مريضاً أن يجد مشفى يتعالج فيه ومأوى ومعاملة لائقة فيها لمرافقه تحافظ على إنسانيته وكرامته.

لقد تغيّرت السلطة، لكن التغيير الحقيقي لا يُقاس بتبديل أسماء المسؤولين أو الوجوه في مؤسسات الدولة. التغيير الحقيقي يبدأ عندما يلمس المواطن فرقاً في حياته اليومية أكثر إيجابية، لا أن يتحسر على مستشفىً كان قادراً على استقباله، وخدمة صحية لائقة، ومسكناً يحميه، وسعراً يستطيع تحمّله، ومؤسسات لا تتركه وحيداً في مواجهة الفقر والمرض.

إن إسقاط نظام سياسي، أيّاً كان، لا يكفي إذا بقي المواطن يعيش الفقر والعجز والإهمال. فالحرية التي لا تصل إلى حياة الإنسان اليومية تبقى شعاراً ناقصاً، والكرامة التي لا تحمي الفقير والمريض لا يمكن أن تكون كرامة للجميع.

هذه الصور يجب ألا تمر كخبر عابر في وسائل التواصل الاجتماعي. إنها جرس إنذار اجتماعي وإنساني. وهي تقول بوضوح إن الفقر لم يعد رقماً في تقرير اقتصادي، بل أصبح إنساناً ينام على الرصيف، وأباً يسهر بجوار طفله المريض، وأماً لا تعرف أين ستقضي ليلتها.

السوريون لا يريدون فقط تغيير الوجوه والأسماء. إنهم يريدون دولة تحترم الإنسان، وتصون كرامته، وتؤمّن له الحد الأدنى من الحياة الكريمة، وتفتح أبوابها للفقير قبل الغني، وللمريض قبل السليم.

دمشق يجب أن تكون عاصمة للأمان والكرامة والأمل، لا مدينة ينام فيها المواطنون على الأرصفة لأنهم عاجزون عن دفع إيجار غرفة صغيرة.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لأي سلطة: ليس بما تقوله عن نفسها، وإنما بما تفعله من أجل الإنسان الذي لا يملك إلا حقه في الحياة والكرامة.

فهل هذه هي سورية الجديدة التي نريدها؟

إن كانت الإجابة لا، فليبدأ التغيير من الرصيف، ومن تأمين حياة المواطن، ومن ضمان كرامته!

العدد 1212 - 26/08/2026