الاقتصاد الريعي
بشار عباس:
في إطار التقسيم الدولي للعمل يظهر الاقتصاد الريعي كأحد أسوأ أنماط النظام الرأسمالي، وهو يكمل حاجات وضرورات الاقتصاد الإمبريالي المتقدم، فالاقتصاد الريعي هو اعتماد الدولة على مصدر واحد للريع (الدخل)، وهذا المصدر غالباً ما يكون مصدراً طبيعياً ليس بحاجة إلى آليات إنتاج معقدة سواء كانت فكرية أو مادية كمياه الأمطار والنفط والغاز، بحيث تستحوذ السلطة الحاكمة على هذه المصادر وتحتكر مشروعية امتلاكها وتوزيعها وبيعها. ويمكن في بعض الأحيان أن نلاحظ وجود صناعات تحويلية خفيفة ولكن هذا لا يغير من جوهر الظاهرة.
ثمة سمتان أساسيتان للاقتصاد الريعيّ، الأولى هي القيمة المضافة المنخفضة، والثانية وهي الأسوأ استحواذ السلطة الحاكمة على معظم الدخل القومي.
لا تساعد بنية الاقتصاد الريعي على التطور العلمي والاقتصادي، فهو اقتصاد شبه بدائي وتسعى السلطة الحاكمة لتأبيد سيطرتها على الاقتصاد من خلال استخدام جميع أنواع الصراعات العشائرية والعصبية القبلية والدينية.
إن بنية الدولة المعتمدة على الاقتصاد الريعي لا تسمح لها بالتطور باتجاه الدولة الحديثة، ولذلك نلاحظ في معظم الدول العربية، تراجعات كثيرة وكبيرة عن تحقيق دولة حديثة لجميع المواطنين، فالعلاقات العشائرية والعصبية القبلية والدينية، تقضي على نحو دوري على جهود التحديث ومفهوم المواطنة، ونجد أنفسنا مذهولين أمام ظاهرة التفتت التي غزت بعض الدول العربية وتهدد دولاً أخرى، فقد أصبحنا مرغمين اليوم على اعتبار مفهوم الوحدة الوطنية مطلباً مهماً في بعض البلدان، أي أن الحركة التاريخية في البلدان العربية، بدلاً من أن تسير إلى الأمام باتجاه الوحدة، تراجعت إلى الخلف باتجاه التفتت.
وقد عبر ابن خلدون عن طبيعة هذا النمط قائلاً: (الدولة تجمع أموال الرعايا وتنفقها في بطانتها ورجالها فيكون دخل تلك الأموال من الرعايا وخرجها في أهل الدولة ثم في من تعلق بهم من أهل المصر وهم الأكثر، فتعظم لذلك ثروتهم ويكثر غناهم وتتزايد عوائد الترف ومذاهبه).
إن هذا النمط يقوّي نزعات العصبية والتعصب، فالمهم هو السيطرة على السلطة التي توزع الدخول على شرائح المجتمع، وتختص النخبة المقربة من الحاكم بالحصة الأعظم. وقد ظهرت تحليلات لتأثير هذا النوع من النمط الاقتصادي في المجتمع منذ زمن طويل.
وما لم تسعَ الدول العربية إلى تحقيق تنمية حقيقية وتوسيع قاعدتها الإنتاجية وتقويتها، والدخول في ميادين الصناعات التقنية المتقدمة، فلن تكون هنالك حوافز لبناء الدولة الوطنية الحديثة.
المهمة الأولى أمام العرب اليوم، هي تحقيق تحول نوعي في الاقتصاد ينقل بلادهم من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي، وقد تبدو هذه المهمة سهلة للوهلة الأولى، فجميع المسوغات المنطقية تؤيد هذا التوجه، ولكن علينا ألا ننسى أن إنجازها يتطلب نضالاً ضد قوى سياسية واقتصادية واجتماعية متجذرة في الوطن العربي، ويتطلب كفاحاً ضد الفساد السياسي والاقتصادي وضد العقلية العشائرية، كما يتطلب تنظيماً جيداً للقوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تساند عملية الانتقال. لقد تفسخ جسد الاقتصاد الريعي وفاحت روائح تحلله الكريهة، وأصبح عائقاً أمام أي تقدم حقيقي في البلاد العربية، وما لم نتمكن من إنجاز هذه المهمة فإن جميع المهام الأخرى مؤجلة وغير قابلة للتطبيق.